ثقافة وأدبسليدر

حامل مفتاح المدينة.. أن يصبح التعاطف طوقا للنجاة

ما هو مفتاح القلوب الحائرة؟ وهل ننجو بالتعاطف في مدن قاسية لا يلتفت أحد فيها لآخر؟ وهل تحمل حياتنا العادية كنزا نجهله وعلينا أن نفقده كي ندرك قيمته؟
كان ذلك هو لسان حال بطل رواية “حامل مفتاح المدينة”، والصادرة عن دار “الشروق”، للأديب د.أسامة علّام؛ وفيها نرى طبيبا بيطريًا أربعينيا يعاني الوحدة والرتابة القاتلة في مدينة نيويورك، والتي لا يملك فيها عائلة ولا أصدقاء مقربين، ولكنه يمتلك مفتاحًا يستطيع به فتح كل الأماكن المغلقة!!

يحمل سرد الرواية طابعا نفسيًا فانتازيًا بامتياز، ويتعلق هنا “المفتاح ” الذي منحه صاحب الشقة للمستأجر الطبيب، برمزية تستعير ثمن المعرفة المؤلم. ثمن فتح الستار عن حياة الآخرين. لقد لمس على جدران منازل الجيران، مستودعات أسرارهم، صورا ورسائل لحياة كاملة غربت عنها الشمس، أو الهاجس الذي ظل يؤرق حياته.
وبدلا من أن تستمر دهشة الطبيب من عالم الغرائب الذي يخوضه في ليل نيويورك، فإنه بقلبه العطوف يتورط مع الحيارى، يشعر بأن ثمة مسئولية تربطه بهم، ويسارع لإعادة البسمة لهم ولنفسه من حيث لا يدري.

سردية كشف الذات

تبدو الوحدة والاغتراب تيمة مهيمنة على تفاصيل السرد ولكنها لا تدفع للكآبة بل يدفعها الراوي لمغامرات من نوع آخر أكثر إنسانية ودهشة وإثارة للضحك والدموع معًا. كتب “علّام” روايته بأنا ساردة تكشف الأبعاد النفسية لحياة الآخرين في وجدان هذا الطبيب والذي يقص يومياته عبر حكايات متناسلة تسلم كل منها لأخرى وتجيب عن ألغازها.

ويكتب أسامة علّام بنفس شعري وجمل إيقاعها سريع لا تستعرض بلاغيا وتميل لبلاغة المشاهد ذاتها ورمزيتها.

قلب المدينة

“نيويورك مدينة لا تنام حرفيا، مدينة تمشي على أعصابها، مدينة سريعة الاشتعال للغضب… مدينة بلا عصافير”

منذ الغلاف نلمح روح المدينة وقلبها المتوحد مع البيوت وأنّات البشر، وهنا نرى قدرة هائلة على أنسنة المكان، وجعله بطلا يحتضن الأحداث؛ فالمدينة التي ينظر لها العالم كعنوان للتقدم التكنولوجي، لم تمنح سكانها شعورًا بالاحتواء، ولم تمنحهم بهذا القدر الهائل من الأضواء الساهرة والروائح فرصة لحياة مفعمة، بل نرى أن العجائز المحيطين بالبطل يعبّرون عن شيخوخة المكان، أما الغرباء كحال بطل الرواية فلا يشعرون يومًا بالانتماء الحقيقي.

كان البيت الذي استأجره الطبيب أبعد ما يكون عن السكن والراحة، بل بدا بضيقه ورائحة الصرف الطافحة منه جزء من حالة المدينة ككل حين تنسى أهلها.

أصدقاء الكون

استفاد الراوي ببراعة من مهنة الطبيب البيطري ليصنع جسرًا لعالم الحيوان الذي ينظر إليه كأصدقاء أكثر براءة في عالمنا، يهرب مع مشاهدهم في التليفزيون في أوقات فراغه ويعالجهم في عيادته صباحا. يفكر في مصير دب صغير تهاجمه الوحوش، يفكر في قدرة الفيلة على التغلب على تقلبات الطبيعة. تأتيه السلحفاة وهي تتسلق الحائط في المنام فيصفق لها. واقعية غرائبية يتلبس بها ذلك الطبيب الذي ينظر لما يخفيه الحيوان من حياة البشر. فالكلب العجوز مثلا كان هو الابن الحقيقي لسيدة مسنة وحيدة في عيادته.

على هذا المنوال نرى أن الأوزة الكندية رمزت لرسالة الطبيعة المتعاطفة مع البطل ذاته حين أوصلته لجثة جنرال متقاعد أحبته الحسناوات والنياشين والحياة لكنه مات وحيدا. هنا تطلق الأوزة وهي تطير من النافذة نحيبا طويلا يشاركها فيه البطل بين دهشته وألمه.

التحام شعوري
كانت الطبيعة جزء لا يتجزأ من الوحدة الشعورية في الرواية؛ فهذه الأمطار التي أغرقت المدينة جاءت في لحظة غرق البطل شعوريا في ورطته لمساعدة المحيطين وأدواره التي يجب أن يجيدها بين العزاء والسيرك والعيادة.

وتمنحنا الرواية قربًا من الطقوس وأثرها في حياتنا؛ فقهوة الكارت دي نوار هنا ليست مجرد مشروبًا لذيذًا لليقظة.. بل كل أيام البراءة التي عرفها الطبيب في باريس. يقول: القهوة طريقتي لرؤية وجهي في المرآة، التسامح مع كل جرائمي الصغيرة والابتسام لنفسي صباحا.

معنى آخر للموت
الرواية تخبرنا بمعان أخرى للموت ربما كبوابة أخرى للحياة. وفي “بيت الجنازة” أو الفيونرال هوم؛ يمكن لأصدقاء المتوفى أن يزينوا جثمانه بأبهى الثياب ويشاهدوا لحظاتهم المبهجة معه بدلًا من مجرد البكاء عليه. لكن الموت أيضا في الرواية ينبش جراح الغربة أيضا، وقد رأى الطبيب جثمان الشاب الأسمر “فرجيل” ابن مقاطعة غريبة بلسانها الفرنسي في محيط قارة تتحدث الإنجليزية، وكأن هذا الشاب يحيل الطبيب نفسه لغربته.

تجعلنا الرواية نتساءل: هل ننجو باللحظات المبهجة؟ ففي بيت الجنازة يرى الطبيب العروس الماريونيت بديل جثمان أنطوانت زوجة الفنان أنطوان، وكأنها رمز لكل الأشياء الحلوة التي جمعتهما، والتي يمكن بعدها تقبل الحياة ولو وحيدين.

سحر التعاطف

يصافح الطبيب كل مهمشي المدينة بقلبه العطوف. هذا التعاطف مثلا أحيا المشرّد في بدروم منزله. هذا الشاب الذي نشأ منبوذا لأنه ابن لرجل هرب مبكرا وسيدة انتشلها رجل عربي من بيوت الليل، تراجيديا ظلت تلاحقه حتى لحظات احتضاره بين الحياة والموت. هنا في نيويورك حيث تشبث المشرد بآخر أمل لرؤية أمه حين علم بحياتها. لكنه – وهو الأهم- تشبث بأن يروي للطبيب كل شيء وكأن الحكاية وحدها هي التي تجعل حياتنا لها معنى وتمنح موتنا شيئا أبعد من الفناء.

لقد اكتشف شهاب والذي يحمل اسمه دلالة النور في الظلمة أن مسحة العطف يمكن أن تحول المشرد في البدروم لفنان وسيم. عرف أنه يتحدث بلغات عدة ويحفظ الشعر العربي. فكم من الأناس حولنا كانوا يحتاجون لهذه المسحة لتجلي نسختهم الأفضل؟

سيظل شهاب يشارك الآخرين لحظاتهم الصعبة حتى يشرق كبطل حقيقي بينهم، ولقد حضر شهاب جنازة زوجة فنان عرائس ماريونيت وحيد. عرف منه انها راحت في لحظة تحقق حلمهما بمسرح للعرائس. وكأن الحياة مجرد متوالية من الألم والأمل. وفي السيرك سيواجه الوجه الآخر لملوك البهجة. هؤلاء الذين ينتظرون لحظة ضوء وتصفيق من الجماهير تنسيهم انهم مهمشون. سيعتني الطبيب بلبؤة حتى تلد أشبالها. كان ذلك ميلادا آخر في السيرك شاهده الجد المهرج العجوز. لذلك يبدو مشهد الاستقبال الحميم لشهاب بين عرائس الماريونيت دالا لبطل أعاد لهم البسمة.

ملاك حارس
في الرواية تشتبك تيمة الهروب مع الوحدة والتعاطف. فالبطل في يوم العطلة الذي يكرهه لأنه يذكره بأنه بلا عائلة، يهرب لشاطيء المحيط ليجد في هذا المدى الشاسع نفسه التائهة. يقول: “الوحدة هي صديقي الأكثر وفاءً، أفهمها وتفهمني ” ربما لهذا لا نرى في الرواية قصة حب حقيقية تجمع البطل بأي امرأة، وكأنه كما وصف نفسه قد التهمته روح الشيخوخة مبكرًأ!

ذات ليلة وحيدة، تأتيه جارته طبيبة النفس وكأنها طيف أثير يشبه ذلك القمر المنير في السماء، وتخبره بأن الأبرياء والطيبين يحدثون أنفسهم ولا حرج من ذلك. وبأن اختياره التأمل ليس ذنبا بل فضيلة. تقول: “تذكّر أن القمر المضيء في السماء سيظل مضيئًا بك أو من دونك، لا أحد يستطيع إصلاح العالم. اعتن بنفسك “.

المفتاح الحقيقي

في مسرح السرد الشاعري في الرواية حيث أشعة القمر تنعكس على صفحة المحيط، تسطع الحقيقة في قلب البطل: “علينا أن نفقد الأشياء لنفرح باستعادتها”. كانت حياته قاسية مع الوحدة لكنه أدرك قيمتها بعد معايشة الآخرين. هنا مع البطل الذي يفرش قلبه بساطا للآخرين جاء الأب الذي ابتسم وتحول لحمامة بيضاء تحلق حوله.

هنا في بيت الجارة العجوز التي آنسته سيكتب خطابا يعتذر لها – وربما لنفسه- عن قسوة الحياة، ويمتن للحظات بادلته فيها من حنوها الأمومي. ستصبح الأيام مختبرا لتحوله لنسخة أخرى أكثر ألفة مع عالمه الذي لم يعد بحاجة فيه لمفتاح يجعله حارسا للأسرار. سيقرر أن يعيده للمدينة علها تعيد به الدفء المفقود داخل البيوت.

اقرا أيضا: صراع الهجرة وهشاشة الحدود في ” ليالي سان دوني”

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18987

موضوعات ذات صلة

الأمير تشارلز لـ«صوت البلد»: الأمل يتحول إلى رسالة دولية

ضاحى محمود

فلامنجو يتأهل لمواجهة بيراميدز في نصف نهائي كأس القارات

محمد عطا

نافذة على مخاطر استهلاك اللحوم المصنعة

المحرر

مشروع حيّنا قنا يحقق تقدمًا في تطوير المناطق الحضرية

أحمد الفاروقى

حين يصبح الحب طريق اكتشاف الذات في “اتنين غيرنا”

حسن عبدالعال

رحلة الحوار المسكوني بين القاهرة والڤاتيكان

حازم رفعت