
شهدت محافظة الإسكندرية انطلاق فعاليات ثقافية وفنية احتفاءً بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو المجيدة، حيث نظّم فرع ثقافة الإسكندرية عرضاً فلكلورياً بحديقة بيرم التونسي برعاية رسمية من المهندس أيمن عطية محافظ الإقليم، لترسيخ قيم الهوية الوطنية وتنشيط الحراك الإبداعي في المجتمع السكندري.
وجاءت هذه الاحتفالات لتعيد تسليط الضوء على الروابط الوثيقة بين العمل الثقافي والمناسبات الوطنية الحية، مؤكدة على دور القوى الناعمة في تنمية الوعي العام وبناء جيل قادر على استيعاب مفردات تاريخه المعاصر وتوظيف الفنون كوسيط للتعبير عن الهوية والولاء المجتمعي في إطار تنفيذي منضبط يبتعد عن الأنماط التقليدية.
عروض فنية
استضافت الساحة الخلفية لقصر ثقافة الشاطبي “حديقة بيرم التونسي” احتفالية جماهيرية قدمت خلالها فرقة أطفال وطلائع الشاطبي للفنون الشعبية مجموعة من اللوحات الاستعراضية المستوحاة من الفلكلور المصري، حيث جاء هذا العرض في سياق برنامج احتفالي متكامل يهدف إلى إبراز مواهب النشء والشباب في الفنون التراثية، ونشر الوعي الثابت بالهوية الوطنية والتنوع الثقافي والحضاري للمجتمع. وتضمن العرض الفني تقديم رقصات شعبية تعبر عن البيئة الساحلية والصعيدية والدلتا، مما أضفى طابعاً شمولياً يجسد وحدة الثقافة المصرية وتعدد روافدها الإبداعية التي تشكل بمجموعها الوجدان الشعبي وتضمن استمرارية نقل الموروث الحضاري من الأجداد إلى الأحفاد دون تشويه أو انقطاع.
وأوضح الإطار التنفيذي للفعالية أن هذا التحرك الفني يتبع الهيئة العامة لقصور الثقافة، ويستهدف تعزيز المشاركة المجتمعية عبر تقديم منصات إبداعية تستقطب الجمهور من مختلف الفئات العمرية، مع التركيز على دمج الأجيال الجديدة في الأنشطة التي تعكس التاريخ الثقافي والاجتماعي للدولة، وتقديم محتوى إبداعي يربط المعاصرة بالأصول التراثية المصرية القديمة والمستمرة. وتعمل الهيئة من خلال فروعها المنتشرة بالمحافظات على تحويل المقار الثقافية إلى مراكز جذب وتنوير حقيقية، لا تقتصر فقط على تقديم العروض التقليدية، بل تمتد لتنظيم ورش عمل تفاعلية وندوات فكرية تسهم في تفكيك الخطابات المتطرفة ونشر قيم التسامح وقبول الآخر والمواطنة الصالحة بين كافة أبناء المجتمع.
وشهدت الاحتفالية حضوراً رسمياً وتنفيذياً رفيع المستوى شمل د. منال يمني مدير عام فرع ثقافة الإسكندرية، والمهندسة إيمان عباس رئيس حي وسط، إلى جانب الفنان محمد شحاتة مدير قصر ثقافة الشاطبي، وقادت العروض الفنية المدربة سمر القصاص وسط تفاعل من الجمهور وأهالي الحي الذين تابعوا الاستعراضات الفلكلورية. ويعكس هذا الحضور التنظيمي المشترك حجم التنسيق الميداني بين الأجهزة المحلية والقطاعات الثقافية بالمحافظة لتوفير الدعم اللوجستي وتأمين الساحات المفتوحة، بما يضمن تقديم خدمات ترفيهية وتثقيفية آمنة ومجانية للمواطنين في الفترات الصيفية والإجازات الرسمية، تماشياً مع خطة الدولة لرفع جودة الحياة وبناء الإنسان المصري.
أبعاد التنمية
ترتكز الرؤية التنظيمية لهذه الفعاليات على توظيف الفنون الشعبية باعتبارها ركيزة أساسية للحفاظ على التراث الأصيل، وأداة مباشرة لتعميق قيم الانتماء لدى الطلائع، وتتضمن الخطة الثقافية لفرع الإسكندرية استمرار العروض والأنشطة الإبداعية على مدار الفترة المقبلة لتغطية مختلف الأحياء والمراكز الثقافية بالمحافظة، بما يضمن توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات الثقافية المجانية.
ووفقاً للتقارير الميدانية المتاحة، فإن البرنامج الصيفي الحالي لقصور الثقافة يركز بشكل مكثف على العروض الميدانية والساحات المفتوحة لضمان الوصول لأكبر عدد من المواطنين، وتعمل الإدارة الثقافية على تنسيق الجهود بين الأحياء المختلفة والمؤسسات الثقافية لتوفير الدعم اللوجستي اللازم لإنجاح الفعاليات، وضمان خروجها بالشكل الفني الذي يعكس الكفاءة التنظيمية للمحافظة وقطاعاتها الثقافية، حيث يتزامن هذا البرنامج مع خطة مرنة لإعادة تفعيل دور المسارح الصيفية ومسارح الشارع التي تمتلك قدرة تفاعلية أكبر مع الجمهور العادي، وتسهم في كسر الحاجز التقليدي بين المواطن والمؤسسة الثقافية الرسمية، مما يجعل الثقافة سلوكاً يومياً متاحاً للجميع ومساهماً في تقويم السلوكيات العامة وتجميل الفضاءات الحضرية للمدينة الساحلية العريقة.
نشاط ثقافي
وتسعى الهيئة العامة لقصور الثقافة من خلال هذه البرامج الموجهة إلى رعاية مواهب الأطفال والشباب، وتوفير بيئة خصبة لتدريبهم وتأهيلهم للمشاركة في المحافل القومية والدولية، مع استمرار العمل على تطوير البنية التحتية للمواقع الثقافية في الإسكندرية لتقديم خدمات متميزة تخدم أهداف التنمية المستدامة والمجتمعية الشاملة، حيث تتضمن خطط التطوير المستقبلية رقمنة الأنشطة الثقافية وتحديث المكتبات العامة التابعة للقصور وتزويدها بأحدث الإصدارات والمراجع، بالإضافة إلى التوسع في إقامة معارض الكتاب المحلية بأسعار مخفضة لخدمة الأسر متوسطة الدخل، وتحفيز العودة إلى القراءة والاطلاع كأدوات أساسية لمواجهة التحديات الفكرية المعاصرة وتنمية المهارات الإبداعية للجيل الصاعد والمستقبلي.
تمثل ثورة الثلاثين من يونيو محطة فارقة في التاريخ المصري الحديث، حيث شكلت حراكاً شعبياً غير مسار الدولة نحو استعادة الهوية الوطنية وإعادة صياغة مؤسساتها على قواعد الاستقرار والتنمية. إن هذا الحدث التاريخي لم يكن مجرد استجابة لمطالب سياسية مؤقتة، بل كان تعبيراً عن رغبة جماعية شاملة في حماية مقدرات الوطن والحفاظ على نسيجه الاجتماعي من التمزق والاضطراب. ومنذ انطلاق الشرارة الأولى لتلك الثورة، وضعت الدولة على عاتقها إعادة بناء الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يضمن صيانة السيادة الوطنية وتحقيق قفزات نوعية في كافة القطاعات الخدمية والميدانية عبر استراتيجيات رؤية مصر الطويلة الأجل.
