مقال رئيس التحرير

ترامب في مأزق الحرب

 

د. خالد محمد غازي

   في الحروب، تراهن الرئاسات الأمريكية عادة على لحظة التفاف داخلي تتراجع فيها الخلافات، ولو مؤقتًا، أمام الشعور بالخطر الخارجي، لكن دونالد ترامب لم يحظَ بهذه اللحظة في حرب إيران، فبعد أكثر من ستة أشهر على بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية في 28 فبراير 2026، دخلت المواجهة شهرها السابع، بينما بقيت نهايتها السياسية غامضة، واتسعت داخل الولايات المتحدة مساحة الشك في جدواها، وهكذا لم تعد القضية تتعلق بقدرة القوة العسكرية الأمريكية على إلحاق الضرر بإيران، وهي قدرة لا يشك فيها أحد، بقدر ما أصبحت متصلة بالسؤال الأصعب: ماذا تريد واشنطن أن تحقق في النهاية، ولماذا لم يتحقق بعد؟

**

   تقدم استطلاعات الرأي صورة واضحة لهذا المأزق، ففي استطلاع لـ«رويترز/إبسوس» أُجري أواخر أغسطس الماضي، لم تتجاوز نسبة المؤيدين للحرب 31%، بينما عارضها 63%، كما كشفت نتائج سابقة للمؤسسة نفسها أن 69% من الأمريكيين لم يجدوا في خطاب ترامب شرحًا كافيًا لأهداف التدخل العسكري، وفي استطلاع آخر أجرته «أسوشيتد برس–نورك»، رأى نحو ثلثي المشاركين أن الحرب لم تكن تستحق خوضها، بينما تراجعت نسبة الراضين عن إدارة ترامب للملف الإيراني إلى 28%، ولم يعد استمرار العمليات العسكرية يحظى إلا بتأييد محدود.

   لكن هذه الأرقام لا تعني أن الأمريكيين ينظرون إلى إيران باعتبارها دولة غير خطرة، أو أنهم يتعاملون باستخفاف مع برنامجها النووي وقدراتها العسكرية، فالمسألة أكثر تعقيدًا، إذ إن هناك فرقًا بين الاعتقاد بأن إيران تمثل تهديدًا ينبغي احتواؤه، وبين الاقتناع بأن حربًا مفتوحة هي الطريق الأفضل لتحقيق ذلك، وهذه المسافة بين إدراك الخطر وقبول الحرب هي تحديدًا المساحة التي لم تستطع إدارة ترامب عبورها.

     وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن معنى «النصر» نفسه ظل يتغير كلما امتدت الحرب، ففي مراحل مختلفة، تحدثت الإدارة عن وقف المسار النووي الإيراني، وتدمير القدرات الصاروخية والعسكرية، وحماية القوات والمصالح الأمريكية، وإضعاف قدرة طهران على تهديد جيرانها، بل ظهرت أحيانًا إشارات إلى نتائج تتجاوز المجال العسكري إلى التأثير في توازنات النظام الإيراني ذاته، وكلما اتسعت قائمة الأهداف، أصبح تحديد اللحظة التي يمكن عندها إعلان انتهاء المهمة أكثر صعوبة.

**

وبعد شهور من القتال، لا يمكن إنكار أن إيران تكبدت أضرارًا كبيرة، وأن جزءًا من بنيتها العسكرية وقدراتها التقليدية تعرض لضربات قاسية، لكن النجاح العسكري لا يجيب وحده عن السؤال السياسي، فالحرب لا تُخاض من أجل إحصاء ما دُمر من منشآت أو صواريخ، وإنما لتحقيق نتيجة يمكن تحويلها إلى وضع سياسي وأمني أفضل من الذي سبقها، وحتى الآن، ما يزال من الصعب القول إن هذا الهدف تحقق بصورة نهائية.

ومن هنا أصبح طول الحرب نفسه عنصرًا في تآكل التأييد لها، فقد عاد ترامب إلى البيت الأبيض محاطًا بصورة الرئيس الذي يريد تخليص أمريكا من الحروب الممتدة، لا إغراقها في جبهة جديدة، وكان نقد التدخلات الخارجية الطويلة جزءًا من خطابه السياسي، ومن أسباب انجذاب قطاع من قاعدته إليه، لذلك فإن استمرار القتال شهرًا بعد آخر لا يضعه فقط أمام خصومه الديمقراطيين، بل يفتح أسئلة داخل البيئة السياسية التي طالما رأته مختلفًا عن الرؤساء الذين قادوا الولايات المتحدة إلى مغامرات عسكرية بعيدة.

   ولا تساعد ذاكرة العراق وأفغانستان على تهدئة هذه المخاوف، فالناخب الأمريكي تعلم من التجربتين أن الحروب كثيرًا ما تبدأ بأهداف تبدو محدودة وواضحة، ثم تتسع تدريجيًا، وتتغير طبيعتها، وتصبح مغادرتها أكثر صعوبة من دخولها، لذلك لم تعد عبارة «عملية محدودة» كافية لمنح الطمأنينة التي ربما كانت تمنحها قبل عقدين.

   وهذا يفسر إلى حد كبير لماذا لم يستفد ترامب من الظاهرة المعروفة في السياسة الأمريكية بارتفاع شعبية الرئيس في بدايات الأزمات الخارجية الكبرى، فقد حظيت حرب أفغانستان في بدايتها بتأييد شعبي هائل، كما دخلت الولايات المتحدة حرب العراق وسط نسبة دعم مرتفعة، بصرف النظر عن التحولات التي طرأت لاحقًا على الموقف الشعبي من الحربين، أما في الحالة الإيرانية، فلم تظهر منذ البداية أغلبية مستقرة ترى الحرب ضرورة لا بديل عنها، وظل التأييد أقل كثيرًا من المستويات التي شهدتها تلك المواجهات.

**

غير أن العبء الأكبر على ترامب لا يأتي من الحرب نفسها، بل من آثارها الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، ولا سيما حين تنعكس اضطرابات الطاقة على أسعار الوقود والنقل وبعض السلع والخدمات،وفي الأسبوع المنتهي في 7 سبتمبر، بلغ متوسط سعر جالون البنزين العادي في الولايات المتحدة نحو 4.16 دولارات، بينما اقترب متوسط سعر الديزل من ستة دولارات للجالون، وهذه الزيادات لا تبقى عند محطة الوقود، بل تنتقل تدريجيًا إلى تكاليف النقل والشحن والإنتاج وأسعار السلع، فتعود مشكلة التضخم إلى واجهة الحياة اليومية.

وهنا يواجه ترامب مفارقة سياسية قاسية، فقد كان الاقتصاد، وخفض الأسعار، وتحسين القوة الشرائية، من أهم الأسس التي بنى عليها خطابه الداخلي، لكن استمرار الحرب يجعل المواطن يربط بين قرار السياسة الخارجية وبين ما يدفعه في المحطة والمتجر وفاتورة النقل، وكلما أصبحت كلفة الحرب محسوسة بهذه الصورة، ازدادت صعوبة مطالبة الناس بالصبر عليها من دون أن يكون أمامهم تصور واضح لما ستنتهي إليه، وتؤكد استطلاعات الرأي حساسية هذه النقطة، فقد أظهرت نتائج «أسوشيتد برس–نورك» أن 72% من الأمريكيين ينظرون إلى الحد من ارتفاع أسعار النفط والبنزين باعتباره أولوية شديدة الأهمية، وهذه النسبة تقول شيئًا بالغ الدلالة عن طبيعة المزاج الشعبي، فالمواطن قد يتابع أخبار الصواريخ والمفاوضات وموازين القوة، لكنه يصدر حكمه السياسي في النهاية من واقع حياته اليومية أيضًا.

ولا تبدو التطورات الإقليمية الأخيرة قادرة على تخفيف هذا القلق، فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز، والهجمات التي طالت بنى نفطية في المنطقة، وتصاعد الخطر قرب باب المندب، كلها توسع الدائرة التي يمكن أن تنتقل من خلالها آثار الحرب إلى الاقتصاد العالمي، ومع اتساع دائرة التهديد للطاقة والملاحة، يصبح من الصعب إقناع الناخب بأن النزاع محصور في مساحة جغرافية بعيدة لا تمسه مباشرة.

وتزداد أهمية هذه العوامل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر، إذ لم تعد حرب إيران ملفًا خارجيًا منفصلًا تمامًا عن النقاش الداخلي، وقد يكون لها حضور متزايد في الحسابات الانتخابية خلال المرحلة المقبلة، بل أصبحت عاملًا يمكن أن يؤثر في حظوظ الجمهوريين داخل الكونغرس، وتشير تقارير صحفية أمريكية إلى وجود قلق واضح داخل دوائر الإدارة والحزب من أن يؤدي اتساع القتال أو حدوث ارتفاع جديد في أسعار الوقود إلى زيادة الكلفة الانتخابية على الجمهوريين، خصوصًا في ظل تراجع التأييد العام للرئيس.

   وهنا يظهر تناقض يصعب تجاوزه، فالبيت الأبيض يحتاج إلى التأكيد أن الحرب شديدة الأهمية إلى حد يبرر استمرارها، لكنه في الوقت نفسه لا يريدها أن تصبح القضية المسيطرة على المزاج الانتخابي، ويريد إظهار أن الضغوط العسكرية على إيران تحقق نتائج ملموسة، لكنه لم يقدم بعد التسوية أو الإنجاز السياسي الذي يسمح للناخب بأن يرى بوضوح أن الكلفة كانت مبررة.

وفوق العبء الاقتصادي، هناك سؤال الأمن نفسه، فالمواطن الأمريكي يريد أن يعرف ما إذا كانت هذه الحرب ستجعل بلاده أكثر أمانًا بالفعل، أم أنها ستزيد عدد الأهداف والمصالح الأمريكية المعرضة للهجمات في المنطقة وخارجها، والمشكلة هنا أن الحرب الطويلة قد تعكس المعادلة التقليدية، فبدل أن يدفع المواطن تكلفة أعلى مقابل قدر أكبر من الأمان، يخشى بعض الأمريكيين أن ترتفع التكلفة ويتسع الخطر في الوقت ذاته.

**

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة أخفقت عسكريًا، فقد ألحقت بإيران خسائر حقيقية، وقلصت جزءًا من قدراتها، وفرضت عليها ضغوطًا يصعب تجاهلها، لكن القدرة على إضعاف الخصم ليست هي نفسها القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية مستقرة، وهذه هي النقطة التي تبدأ عندها الحروب في فقدان تأييد الرأي العام، عندما تصبح النجاحات التكتيكية واضحة، بينما تبقى الغاية الاستراتيجية ضبابية، لهذا فإن ضعف التأييد الشعبي لحرب إيران لا يبدو مجرد مشكلة في خطاب ترامب أو في طريقة تسويق قراراته، بل يعكس أزمة أعمق تتصل بثلاثة أسئلة بسيطة في صياغتها، ثقيلة في معناها: ما الهدف؟، وما الكلفة؟، وأين النهاية؟

وبعد سبعة أشهر تقريبًا من بدء الحرب، لم يعد السؤال الأصعب أمام ترامب هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إلحاق الأذى بإيران، فقد أثبتت أنها قادرة على ذلك، والسؤال الذي يتسع حضوره في الداخل الأمريكي أصبح أكثر مباشرة: ماذا حققت هذه الحرب للولايات المتحدة، ومتى تنتهي، وكم سيدفع الأمريكي ثمنًا لها قبل أن تنتهي؟

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=25392

موضوعات ذات صلة

الشائعات .. عواصف الكترونية في وجدان المصريين

المحرر

إيران وما بعد الحرب : حدود القوة وحدود السياسة

المحرر

الحرب على إيران: توقف مؤجل أم بداية الخروج؟

المحرر

صفقة الضرورة بين ترامب وإيران

المحرر

إسرائيل بين منطق الحرب وحدود المكاسب

المحرر

الصحفي الإلكتروني بين المهام المتشابكة

المحرر