
محمود بركات
في قلب صناعة السينما، يدور صراع مستمر بين الفن والتجارة. ويظهر هذا الصراع بوضوح بين «الفن من أجل الفن» و«الفن من أجل التجارة».
ويمنح الاتجاه الأول مساحة أكبر للطزاجة والعمق الإنساني. أما الاتجاه الثاني، فيضع الحسابات المالية وشباك التذاكر في مقدمة اهتماماته.
وخلال الفترة الأخيرة، اتسعت الفجوة بين سينما المهرجانات والأعمال المستقلة من جهة، والأفلام التجارية من جهة أخرى. وتطرح الأعمال المستقلة قضايا وجدانية ومجتمعية جادة.
في المقابل، تعتمد بعض الأفلام التجارية على الكوميديا الخفيفة أو الأكشن السريع. وتهدف هذه الأعمال إلى جذب الجمهور وتحقيق إيرادات مرتفعة في شباك التذاكر.
وأثار هذا التباين تساؤلات بين النقاد والجمهور. فهل أصبحت السينما تجارة فقط؟ أم تستطيع الإيرادات أن تضمن استمرار الصناعة وتطورها؟
الإيرادات ليست معيارًا وحيدًا
ترى الناقدة الفنية ماجدة خيرالله أن اختزال قيمة العمل الفني في الإيرادات يمثل انتقاصًا من قيمة السينما.
وتشدد على أهمية منح مساحة أكبر للأفلام ذات الطابع الخاص. كما ترى أن السينما المستقلة وسينما المهرجانات تمثلان مساحة مهمة للتجريب والتعبير.
وتوضح خيرالله أن المخرج والمؤلف يجدان في هذه النوعية من الأعمال مساحة أكبر للحرية. كما يستطيعان التعبير عن أفكارهما بعيدًا عن ضغوط المنتج وشباك التذاكر.
وتشير إلى أن التاريخ السينمائي قدم نماذج لأفلام بقيت في ذاكرة الجمهور لسنوات طويلة. وترى أن هذه الأفلام لم تكن بالضرورة صاحبة أعلى الإيرادات خلال أسبوعها الأول.
وبحسب رؤيتها، ارتبط استمرار بعض الأعمال بصدقها وعمقها وقدرتها على التعبير عن الإنسان والمجتمع.
الاقتصاد محرك أساسي للصناعة
في المقابل، يرى الناقد الفني عماد يسري أن المعادلة الاقتصادية تمثل محركًا رئيسيًا لصناعة السينما.
ويؤكد أن تجاهل الجانب المالي لا يخدم الصناعة. ويوضح أن إنتاج الأفلام يحتاج إلى ملايين الجنيهات، بينما يتحمل المنتج تكاليف العمالة والتقنيات الحديثة وغيرها من النفقات.
ويقول يسري إن المنتج مستثمر يبحث عن تحقيق عائد يضمن استمرار مشروعه. كما يرى أن الأفلام التجارية الجماهيرية تضخ موارد جديدة في قطاع التوزيع ودور العرض.
ويضيف أن نجاح الأفلام التجارية قد يساعد أحيانًا في تمويل تجارب سينمائية ذات طابع خاص. وبهذا، يمكن أن تتداخل المصالح التجارية مع دعم أنواع أخرى من الإنتاج.
الجمهور بين الترفيه والقضايا الجادة
يرى يسري أيضًا أن الجمهور يذهب إلى السينما بحثًا عن الترفيه. وقد يرغب المشاهد في الابتعاد مؤقتًا عن ضغوط الحياة اليومية.
وبناءً على ذلك، يعتبر الناقد أن النجاح الجماهيري والإيرادات يمثلان عنصرين أساسيين لاستمرار الصناعة. وفي الوقت نفسه، يظل الجدل قائمًا حول العلاقة بين القيمة الفنية والنجاح التجاري.
وتكشف هذه الآراء عن اختلاف واضح في النظرة إلى مستقبل السينما. فبينما تركز ماجدة خيرالله على قيمة التجريب والعمق الفني، يركز عماد يسري على ضرورة الحفاظ على المعادلة الاقتصادية.
وفي النهاية، يظل التوازن بين الإبداع ومتطلبات السوق من أبرز القضايا التي تشغل صناعة السينما. كما يستمر النقاش حول قدرة الأعمال التجارية والمستقلة على التعايش داخل سوق واحد.
