سليدرميديا

مليون شريط تليفزيوني يوثقون ذاكرة مصر

الباحثون يستعرضون مراحل الأرشفة

في القاعة المستديرة بمكتبة الإسكندرية، لم يكن الهواء عبقاً بالكتب فحسب، بل كان مشحوناً برائحة الزمن وهو يُعاد صياغته. الحاضرون لم يأتوا لحضور ندوة تقليدية تنتهي بانتهاء التصفيق، بل جاءوا ليشهدوا معركة صامتة وشرسة؛ معركة استعادة الروح المصرية، وإنقاذ الهوية من براثن النسيان والتزييف.

العنوان المكتوب على لافتة الصالة كان هادئاً: “ذاكرة مصر المعاصرة”. لكن ما كان يدور خلف الكواليس وفوق المنصة كان إعصاراً من الشغف الوطني، تجسد في حضور لافت قاده د. أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، وبجواره أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، ومحمد إبراهيم مصطفى رئيس التليفزيون المصري، ومنال الدفتار رئيس القناة الأولى، يحيط بهم طوق من أساتذة الجامعات والإعلاميين وشباب يملؤهم سؤال واحد وأزلي: من نحن؟

نبض الماضي

أدار البداية د. سامح فوزي، كبير الباحثين بالمكتبة والمشرف على المشروع، بكلمات مهدت لحدث غير عادي. فجأة، أُطفئت الأنوار، فصمتت الأنفاس وانفتحت العيون على شاشة العرض. بدأ فيلم قصير من إنتاج استوديو المكتبة. في تلك اللحظة، تدفقت الحياة في وثائق صفراء، وتحركت صور قديمة أبيض وأسود، وخرجت أصوات من عمق الماضي. لم يكن الفيلم يستعرض إنجازاً مؤسسياً، وإنما كان يعرض شريط العمر لأمة كاملة، كانت تُجمع ملامحها المبعثرة ورقة ورقة، وصورة صورة.

وهنا، انطلقت الشرارة الأولى للقصة الحقيقية. وقف سامح فوزي ليعلن بوضوح أن اليوم ليس مجرد ندوة احتفالية، بل هو إطلاق لخطوة نوعية غير مسبوقة. لأول مرة في تاريخ الإعلام والثقافة بمصر، ستخرج “ذاكرة مصر” من عزلتها الإلكترونية ومن عتمة أرفف الأرشيف، لتدخل كل بيت مصري عبر برنامج تليفزيوني ضخم يُعرض على شاشة التليفزيون المصري ومنصاته الرقمية وصفحات المكتبة والقناة. فالتاريخ في مصر لن يُقرأ بعد اليوم في الغرف المغلقة؛ التاريخ من الآن سيُشاهد ويُعاش.

كائن حي

التقط د. أحمد زايد الميكروفون، ولم يتحدث عن الموقع الإلكتروني للمشروع بوصفه مستودعاً للملفات الجامدة، بل وصفه بـ”الكائن الحي”. إنه “منصة رقمية ديناميكية” تنبض بالحركة، يجدد شرايينها كل يوم فريق متخصص من الباحثين الأكفاء، في رحلة توثيقية شاقة تبدأ من عصر باني مصر الحديثة محمد علي باشا، وتتدفق بلا نهاية.

داخل هذا الأرشيف يقبع كنز حقيقي اختزل تقلبات قرون؛ من حملة نابليون، إلى شرارة الثورة العرابية، وهتافات ثورة 1919، وميلاد الجمهورية في ثورة 23 يوليو، ودراما تأميم قناة السويس، وصولاً إلى ملحمة النصر العسكري في حرب أكتوبر 1973، مكللاً بسير كاملة لحكام ورؤساء مصر. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل نجح المشروع في ضم أوراق شخصية شديدة الخصوصية لقامات وطنية كبرى، كان أبرزها أوراق الكاتب الراحل صلاح عيسى؛ الرجل الذي كان هو نفسه ذاكرة متحركة تسير على قدمين.

معركة السردية

حين جاء دور أحمد المسلماني، تبدلت النبرة وتحولت الكلمات إلى استراتيجية أمن قومي معرفي. لم يتحدث عن الماضي بمرارة أو حنين، وإنما تحدث عن الحاضر والمستقبل، عن “الحرب على الماضي”. أعلن المسلماني أن ما يحدث اليوم هو ترجمة حقيقية وتنفيذ لتوجيهات رئاسية حاسمة ببناء “سردية معرفية وطنية متماسكة”. زمن الجزر المنعزلة قد انتهى؛ فالهيئة الوطنية للإعلام، ومكتبة الإسكندرية، والهيئة العامة للاستعلامات، باتت اليوم يداً واحدة تجمع أجزاء الأرشيف الوطني الذي تشرذم بين المؤسسات، لتعيد صهره في بوتقة واحدة.

المسلماني يكشف خطة الرقمنة

وفي غمرة الإنصات، فجر المسلماني مفاجأة مدوية بالأرقام: مشروع جبار يهدف لرقمنة نحو مليون شريط إذاعي وتليفزيوني. وكشف عن الخطة الزمنية الطموحة؛ حيث سيتم الانتهاء من رقمنة 400 ألف شريط إذاعي وقطاع التليفزيون الرئيسي بحلول يوليو المقبل. مليون شريط تُجسد عمر مصر المسموع والمرئي منذ عقود، كانت معرضة للتلف والضياع تحت وطأة الزمن والرطوبة، والآن يُنقذ هذا الإرث البشري العظيم ليعود حياً.

رد بالوثيقة

لماذا نخوض هذه المعركة الشاقة؟ طرح المسلماني السؤال وأجاب عنه بوضوح حاسم: “لمواجهة صراع السرديات”. فهناك قوى خارجية، وجيوب متطرفة في الداخل، تحاول دؤوبة إعادة كتابة تاريخ مصر بشكل انتقائي، مشوه ومغلوط، لسرقة وعي الأجيال الجديدة. الرد المصري لن يكون عبر خطابات رنانة، بل سيكون بالوثيقة الدامغة، بالصورة الحية، وبالصوت الأصلي الذي لا يكذب. وضمن هذا السياق، أعلن عن بدء بروتوكولات فعلية مع هيئة الاستعلامات، واستعداد القناة الأولى لعرض برنامج استثنائي بعنوان “الأرشيف الوطني المصري في 50 عاماً”، حاملاً مشاهد ومواد نادرة تُبث لأول مرة لرموز وقادة مصر.

وبعد هذه الجرعة السياسية والإعلامية المكثفة، انتقلت الندوة إلى كواليس المطبخ الحقيقي للذاكرة، حيث تصنع العقول الشابة وراء الشاشات أدوات المعركة.

زمن التزييف

في الجلسة الثانية التي حملت عنوان “إطلالة على مشروع ذاكرة مصر المعاصرة” وأدارها د. أحمد سمير، رئيس قطاع تكنولوجيا المعلومات بالمكتبة، تحدث المهندسون والباحثون بلغة الأرقام الصادمة والمذهلة في آن واحد. أشار د. سمير إلى أننا نعيش اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، حيث لم يعد الخطر يكمن في شُح المعلومات، بل في تزويرها وتدليسها. ومن هنا، فإن مشروع الذاكرة يعتمد بشكل صارم على المصادر الأصلية والموثقة حصراً، من عصر محمد علي وحتى عهد الرئيس الراحل أنور السادات؛ فالمنبع الأصلي هو الضمانة الوحيدة لمصداقية تاريخ أمة.

حضور رسمي وإعلامي مكثف

وعن تفاصيل الرحلة الشاقة التي تمر بها كل ورقة، شرح المهندس بيتر سكر رحلة “الوثيقة الواحدة”: تبدأ بالاستلام، ثم المعالجة والترميم، فالمسح الضوئي، ثم الفهرسة الدقيقة وإدخال البيانات الوصفية، وصولاً للنشر الإلكتروني. كل مرحلة تخضع لمراقبة جودة صارمة، يُستعان فيها بالذكاء الاصطناعي لتحسين قراءة النصوص والخطوط القديمة، قبل أن تضع المراجعة البشرية النهائية ختم إجازتها.

لغة الكنوز

من جانبه، أخذ أحمد حسن، أخصائي التوثيق، الحضور في جولة بالأرقام داخل مغارة علي بابا المصرية: 82 ألف صورة تم توصيفها وتدقيقها حتى الآن، من بينها مجموعات نادرة جداً لحسين سري باشا، وعائلة خانكي، وأحمد مرسي بدر، والفريق عبد العزيز مصطفى. بجانبها يقبع 27 ألف وثيقة إدارية وتاريخية نادرة، تتنوع بين ملفات العاملين بالدولة، والمراسيم الملكية، وأوراق القضايا السياسية التي غيرت مجرى التاريخ، ناهيك عن التسجيلات الصوتية، اللقاءات التليفزيونية، والصحف والمجلات والكتب العتيقة.

لكن التاريخ لا يجب أن يكون ثقيلاً أو كئيباً، هكذا أعادت إيمان الخطيب، سكرتير تحرير مجلة “ذاكرة مصر”، تلوين اللوحة. تحدثت عن المجلة التي تصدر كل ثلاثة أشهر منذ أكتوبر 2009، وصدر منها حتى الآن 59 عدداً، مؤكدة أنها تقدم التاريخ في قالب مبسط وجذاب بصرياً. لافتة إلى أنها ليست مجلة أكاديمية جافة، بل هي منصة تحكي للمواطن العادي عن تاريخ كرة القدم وعلاقتها بالسياسة، ومئوية الملك فاروق، وحضور نهر النيل في وجدان المصريين، وتاريخ الشواطئ والمصايف، والعمل الأهلي، ومئوية توت عنخ آمون، وتطور الحياة النيابية، ليتنفس القارئ التاريخ كجزء من تفاصيل حياته اليومية.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27646

موضوعات ذات صلة

أحزاب : تصعيد التوتر بين إيران وإسرائيل يهدد استقرار المنطقة

المحرر

الجنون.. بين الحقيقة والخيال

المحرر

محمد لطفي ينضم إلى “عيلة تعمل عمايل”

أحمد عاشور

السياسة النقدية تفتح آفاق التعافي

أيمن مصطفى

معركة الوعي والمواطنة وخارطة التجديد الديني

حازم رفعت

يارا السكري تفاجأت ببطولة مسلسل العوضي القادم

أحمد عاشور