ثقافة وأدبسليدر

الحياة من داخل القفص في “مواليد حديقة الحيوان”


في كل قاعة محكمة تبدو صورة أيقونية لسيدة العدالة معصوبة العينين؛ حيث لا تمييز بين الخصوم بحسب ثرواتهم ونفوذهم، ومع ذلك يزخر قفص الوطن كله بمظاليم حتى وإن كانوا يمضون بيننا طلقاء بلا سجن، لكنهم يعيشون محرومين من أبسط حقوقهم وأحلامهم الآدمية، وكأن قدرهم أن يظلوا قربانا بشريا لأحلام وحياة الآخرين من النخبة السعيدة.
في رواية “مواليد حديقة الحيوان” للكاتب أشرف العشماوي والتي حاز عنها مؤخرًا جائزة الشيخ زايد للآداب، نقترب من حياة ثلاثة من هؤلاء المظاليم تحت سماء الوطن والذين دفعوا أثمانًا لجرائم لم يركتبوها في واقع ينتصر للأقوياء.
تبدو الرواية الواقعية للوهلة الأولى كما لو كانت متتالية قصصية بلسان راوٍ عليم يسرد حياة أبطال لا يربط بينهم شيئ؛ حتى ندرك في النهاية أنهم أبناء نفس الحقبة الزمنية التي أنتجت القطط السمان من أصحاب النفوذ الذين بنوا ثرواتهم من امتصاص دماء البسطاء؛ ونعني حقبة الرئيس الأسبق السادات؛ حيث الانفتاح الاقتصادي والذي امتد واستشرى من بعده.
في هذه الأجواء تصبح أقصى طموحات المواطن المهمش هي الحفاظ على حياته بغريزة البقاء. هنا تصبح ألغاز الكلمات المتقاطعة التي تحمل فصول الرواية عناوينها هي صوت القدر الذي يكمل للأبطال الصورة الناقصة لإنسان مسيّر لا مخيّر، يعاني الفزع في واقع تغيب فيه العدالة، وتحل فيه سلطة العُرف بكل ما يحمله من جور وخضوع لمنطق متحايل على سلطة القانون وحقيقة الدين معا.

كابينة لا ترى البحر
“الصعود الوحيد الذي شهدناه هو صعود أمي للسماء”
يعاني “عارف” الشاب المراهق ابن الحي الشعبي القاهري، مرارة الفقد بموت أمّه الحنون، بعد أن ذاق قسوة انفصال الأب عنها في طفولته. وبلجوء عارف وشقيقته “حياة” لبيت الجد، نبدأ في رحلة مع سلطة بديلة صارمة، ويصبح ملاذ الصبي بحكم مرحلته العمرية في أحلام اليقظة مع الجميلات، فيما تهرب شقيقته لهاتفها ومواقع التواصل في فورة شعورها بأنوثتها.
تتأرجح سلطة الجدّ بين طلب الفضيلة لحفيديه بيد، وحرمانهما من التعليم وإجبارهما على العمل مبكر، باليد الأخرى!
يدفع “عارف” ثمن المعرفة حقًا كما يشي اسمه، بعدما يكتشفه في صندوق الصور العائلية؛ ليس لأن الصندوق يفتح له خزانة الماضي وحنينه للمصيف مع والدته وكأنها لحظات مسروقة من الفرح، ولكن لأنه يثبت مقولة الجد بأن “الصور الخادعة”؛ وأن سفر جده إلى ليبيا، لم يكن سوى سنوات طويلة قضاها راضيا في السجن بتهمة رشوة الجمارك، نيابة عن رجل الأعمال والبر والتقوى والذي يمتلك امبراطورية شركات المقاولات والسياحة وكل شيء.
تكمن معضلة القصة حين يصبح الدور على عارف ليصبح قربانا جديدا؛ وكأن سلسال القهر لا يشبع، بل وكان اختبار عارف أشد قسوة حين تلازم مع انتهاك شرفه لا سنوات عمره فحسب، مع حفلة “التشالنج” الماجنة التي يتحدى فيها أبناء الذوات أنفسهم بكسر كل المحرمات والمخاوف.. هناك حيث كانت “حياة” مجرد ضحية يتصايحون كعبدة شيطان حول قربان بشري.
وربما كانت من أكثر المشاهد التراجيدية للبطل وهو يلقي بصوره العائلية في البحر ليبتلعها فيما رفقة من شباب مستهتر مخمور تأخذهم النشوة ويشاركونه إغراق ما بقي من ماضيه؛ فيما رجال الشرطة والباشا على الشاطيء في انتظار كبش الفداء ليرتدي سوار المجرمين وكأنه أغرى شقيقته بالمخدرات، وليس حفيد الباشا الذي اغتصب “حياة” مع ما في اسمها من دلالة أكبر.
يبرر الجد بطل سلسال “الكرامة المبعثرة”، في حوارات الرواية التي تدور بالعامية المصرية: “احنا العشرة مننا بقرش.. انت محتاج فلوس والحبس سهل عليك، وهو عاوز الحرية والفلوس عنده سهلة”.
في الرواية نرى حاصل سنوات سجن تفصل بين مشهدين، من صبي يحلم بالتمتع بمشاهدة البحر من كابينة يملكها الباشا الذي يعمل عنده، لرجل يمتلك المال بعد خروجه من السجن لكنه لا يمتلك قلبا للسعادة، يسرح في حل الكلمات المتقاطعة عن “مرادف كلمة قهر”.. ويمسك بأوراق يدوّن فيها إجابته التي شاهدها بعينه!

مزرعة الخنازير
“الكل يبحث عن فرصة للخداع في هذه المدينة”
يبدو صراع فايز حنّا بطل القصة الثانية مع استبداد مجتمعي وديني جرفه قسرًا لدائرة الفساد، بعد أن عاش وديعا مسالما.
حملت نبوءة لعرافة قديمة له نذير الشؤم بموته لكنه لم يتخيل أن تكون النهاية بهذه القسوة والدموية بعد حياة عاشها ممزقًا هاربا من مطاردة الذين يريدون قتله لأنه يربي الخنازير المحرمة، هؤلاء الذين فرضوا في الصعيد سطوتهم وصنعوه هدفا للقتل مع أنه لم يؤذ أحدا قط ولا باع الخنازير لمسلم.
تبدأ صراعات فايز النفسية مع رحلة هروبه من القتل، وتخفيه في القاهرة – بإيعاز من محاميه- تحت مسمى الشيخ فايز، والذي صار رجل البر وتجارة “اللحوم المستوردة الحلال” والتي لم تكن في الواقع إلا ذات الخنازير لكن بخلطة سرية شهية، جعلت البسطاء يقبلون عليها في المجمعات الاستهلاكية.
والمحامي في الرواية يجسد نموذجا يجيد إغواء ضحاياه للوقوع في الفساد؛ فهو هنا الذي يبتز فايز بماضيه ليتربح من هروبه والتجارة المنتعشة باسمه، ثم يشكل الوسيط بينه وبين المحليات، ثم يمنحه فرصة دخول البرلمان بالتواطؤ مع رجال في الحزب الحاكم مهتمون بذوي الشعبية للدعاية لهم، وبخاصة الرجل الثالث الذي يجسد زواج المال والسياسة في مصر.

لكن الرواية لا تقدم المحامي كشرير مطلق، فهو أيضا ضحية سابقة لأحكام جائرة اغتالت حلمه بأن يكون وكيلا للنيابة رغم نبوغه، بتهمة أنه ابن “غفير”، فكأن تلك العقدة قد تحولت لانتقام ساخر من المجتمع الذي يحب تغفيله، ومن ثم يصبح ميكيافيلليا الغاية عنده تبرر أي وسيلة.
ويتجلى صراع فايز النفسي واضحا حين نرى تمنيه الموت على حياته المزيفة الفاسدة، ولجوئه للكنيسة للاعتراف ونصيحة القسيس له بالتطهر في وقت لم يعد لديه خيار لهذا التطهر أمام مجتمع لا يرحم. كان ذلك مصير حبيبته “مريم” في القاهرة أيضا واضطرارها وأسرتها للفرار من غضبة الجماهير الغيورة على شيخها في وقت كانت المنابر تحض على فتنة التكفير، وتدعو لفريضة الجهاد، وحبذا لو أفغانستان، وهو ما فتح الباب للتطرف الديني ورياحه العاتية.
تجسد القصة كيف “تهوي الحقيقة على الأرض ويدهسها الدهماء مهللين “يحيا العدل” ولا يعبأ أحدهم بـ”مقلب الوحدة الوطنية العمومي” الذي حلّ محل دنس الخنازير والتي يمكننا فهمها رمزيا بتكيف سكان المدينة أنفسهم مع الفساد، ورعاية مسؤولون يشبهون شراهة “فرس النهر” لعمليات النهب، وللقتل المتسلسل لمن يخترق قواعد اللعبة، ثم بناء ضريح يتباكون أمامه على الولي الصالح.

مواليد الحديقة
“بدت ظلال الاقفاص على ضوء مصباح بعيد كأسياخ تخترق صدره”
يهرب بطلا قصة “مواليد حديقة الحيوان” – إسماعيل وعايدة – من ظروف صعبة تحول دون إتمام زواجهما، وبرغم أنه يعمل طبيبا بيطريا لكنه يفاجأ بتحطّم وعود الدولة على أرض الواقع، بتوفير شقة وعمل لكل شاب، وهنا يصبح قدر البطل هو محل ميلاده أو حديقة الحيوان والتي تصبح رمزية أكبر لمصر في تلك الفترة من التحوّل.
عاش إسماعيل يعتقد أن أباه حارسا لبيت الأسد، لا الفيل، وفخورا بتكريم الرئيس عبد الناصر بعد أن واجه فرار السباع في واقعة مشؤومة، لكن الحقيقة الكاملة التي لا يعرفها أحد هي أن السبع التهم ذراعه وأرداه جثة هامدة.
ومرة ثانية تكمن معضلة البطل في وراثة سلسال القهر من والده كما جرى مع عارف بطل القصة الأولى، فيضطر للقبول بوظيفة حارس بيت الفيل كابتزاز قدري مقابل الحصول على وظيفة والزواج من حبيبته، بل وتحمل الخراء الحيواني ورائحته على أمل كاذب بوراثة استراحة مستر واطسون التي أُهديت لوالده، وهو أمل أحياه داخله محاميه بعد أن صارت النجاة غير ممكنة بغير التحايل على المنطق والقانون.

تدريجيا تتجسد مع القصة حيونة البشر، وتبرع في تصوير توحّد الحياة مع حزن الحبيبن وهما المطالبان بارتداء جلد أسدين نافقين وتمثيل أدوارهما بشكل هزلي داخل القفص بمناسبة زيارة الرئيس الكيني للبلاد.
ولأن مدير الحديقة أطعم الأسدين لحوما فاسدة – تشبه القصة الماضية – فقد اعتبر ما سيقوم به الحبيبان مهمة وطنية “لأجل مصر” ووعدهما بمكافأة سخية لتكوين عش يكلل حبهما، فيما أعلنت الكلمات المتقاطعة رأيا مغايرا… “متفائل – معكوسة”!
لعل أكثر المشاهد ألما حين نشاهد ضرب الأطفال لعايدة وإسماعيل- الأسدين- بالحجارة، وحين تتبول الأنثى مضطرة في مكانها كحيوان حقيقي، أو تلتصق خائفة بالأسد العاجز عن حمايتها.
ينهار الحلم وتنهار عايدة، ويصبحان أمام حفنة اتهامات بالفعل الفاضح والانتماء لتنظيم “الأسد” ضد نظام الحكم، وبعد دوامة داخل مقار الأمن، تصبح براءتهما مجرد فرصة لأن يعودوا “حيوانات لمرة ثانية”!
في قصص الرواية الثلاث والتي يغلب عليها آلام المهمشين؛ يبقى الحب نقطة النور للهروب من عالم قاس يجبر الأبطال على التمثيل في مسرحية رديئة؛ فقد كان هروب عارف من حياة الفقد، وملاذ فايز للبراءة، والابتسامة التي تشبه نصف الهلال والتي هوّنت قهر إسماعيل في عربة الترحيلات وهو يشاهد الحاكم مبارك بنظارته السوداء يلوّح للجماهير أمام حديقة الحيوان.

اقرأ أيضا

في بيتنا لا نكتب المذكرات .. رحلة عتق من الشرنقة

محمد إسماعيل: خلاص الشعوب لا يصنعه “مهدي منتظر”

مستر ولا شيء.. نوبل والهوس العربي بالاعتراف

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26031

موضوعات ذات صلة

أحلام للبيع ووعود بلا ثمن.. عالم «الجلّاب»

شيماء عيسي

قضايا الحرية والهوية والاغتراب تشغل 5 مجموعات قصصية

المحرر

أحمد مستجير.. أديب متنكر في صورة عالم

المحرر

هل توقف مسلسل دم على نهد؟.. المؤلف يحسم الجدل

جمصة تبحث عن مكانها السياحي

هدير عادل

طرح بوستر”عائلة مصرية جدًا “استعدادًا لرمضان 2026

مي صلاح