
في زمن أصبح فيه كل شيء متاحاً بضغطة زر، ما زال هناك من يدخل إلى مكتبة، ويمد يده إلى كتاب قديم، ويقربه منه ويستنشق رائحته بعمق، ثم يبتسم. ليس مجنوناً، بل عاشقاً لرائحة الورق التي لم تستطع أي شاشة تقليدها، ولا أي جهاز تعويضها.
القراءة ليست مجرد هواية، بل حكاية عمرها آلاف السنين، تبدأ من أول حرف كُتب على ورق البردي في مصر، وتصل إلى اليوم في يد شاب يجلس في مقهى، ممسكاً برواية، ومنغمساً فيها وكأن العالم كله قد سكت من حوله.
ترتبط علاقة المصريين بالقراءة بتاريخ طويل، يعود إلى مكتبة الإسكندرية الكبرى، التي كانت منارة العالم كله، وكان العلماء يأتون إليها من كل مكان للقراءة والتعلم. واليوم، رغم ازدحام التكنولوجيا والهواتف الذكية، ما زال هناك جيل كامل يعشق الكتاب، ويعتبره الصديق الذي لا يخون، ويهرب إليه من ضجيج الحياة. فمن جرب أن يمسك كتاباً ويقلب صفحاته، يعلم أن القراءة ليست معلومة فقط، بل هي رحلة تسافر بك دون تذكرة، وتجعلك تعيش مئة حياة في حياة واحدة، وتقابل أشخاصاً لم تقابلهم من قبل، وتفهم الدنيا بعيون مختلفة.
تكامل حتمي
إذا سألت أي قارئ حقيقي عن أجمل ما في الكتاب، سيجيبك دون تفكير: رائحته. لرائحة الورق سحر غريب، رائحة الحبر والورق الجديد، أو رائحة الكتب القديمة التي تحمل حكايات أصحابها السابقين. هذه الرائحة تبعث في النفس الهدوء والتركيز، وتجعلك تشعر أن الكتاب جزء منك.
وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب الصحفي محمد رفعت، أن عبق الورق سيظل نابضاً بالحياة، عصياً على الانطفاء مهما بلغت الطفرة التكنولوجية ذروتها واتسعت رقعة الكتاب الإلكتروني والصحافة الرقمية؛ مرجعاً ذلك إلى تلك العلاقة الإنسانية الفريدة والرابط الوجداني الحميم الذي يجمع القارئ بالكتاب المطبوع، وهو ارتباط يتجاوز حدود تلقي المعلومة إلى ملامسة الروح وعشق ملمس الورق ورائحته وصوت تقليب صفحاته.
ويشير “رفعت” إلى أن المنطق التاريخي للإعلام يبرهن على أن ولادة وسيلة جديدة لا تعني أبداً فناء ما قبلها، فالتليفزيون لم يقضِ على الإذاعة، والسينما لم تقتل المسرح، والإنترنت لم ينهِ الصحافة الورقية؛ فالقضية ليست معركة إلغاء بل هي مساحة من التعايش والتكامل الحتمي، حيث يتوجب علينا الاستفادة من مزايا “الديجيتال” وسرعته، دون المساس بقيمة الكتاب الورقي وعراقة الصحافة المطبوعة التي تحمل تقاليد وذاكرة لا يمكن اختزالها في مجرد شاشة زجاجية جامدة.
ولذلك، رغم وجود الكتاب الإلكتروني وسهولته ورخص ثمنه، ما زال الناس يشترون الكتاب الورقي، وما زالت معارض الكتاب مزدحمة، وما زالت صفحات التواصل الاجتماعي تضج بصور الشباب للكتاب بجوار فنجان القهوة، لأن الورق له روح، والشاشة لا روح لها.
القراءة الجديدة
وفي قراءة فلسفية مغايرة لأبعاد المشهد، يرى د. السيد نجم، عضو اتحاد كتاب مصر، أن القضية الجوهرية لا تكمن في المفاضلة التقليدية بين وعاء وآخر، بل في نشوء ما يوصّفه بـ”القراءة الجديدة”، وهي تلك العادة المعاصرة التي تربط القارئ بسلوكيات وآليات استهلاك المحتوى الحديث، معتبراً أن الكتاب الورقي جنباً إلى جنب مع دور النشر والمكتبات يمثلون الأجنحة الحاضنة لهذا المفهوم المتطور.
ويوضح “نجم” أن تعدد قوالب المعرفة جعل “الكلمة” تتشارك الساحة مع وسائط بصرية وصوتية وآليات تفاعلية كالرسوم المتحركة والمواد المسجلة. ويستطرد مؤكداً: “في عصرنا الرقمي الراهن، ليس من باب البطولة الثقافية التعلق الأحادي بالكتاب الورقي وحده، لكن المؤشرات تؤكد أن السند الورقي لن يختفي، والمكتبات لن تفقد وظائفها التاريخية، بل ما يحدث هو تدفق إضافات إيجابية فرضت وجودها عالمياً كالكتاب الإلكتروني، والكتاب الصوتي، فضلاً عن الهاتف المحمول الذي بات يختزل كل هذه الآليات المعرفية، مما يجعل القضية الكبرى هي (فعل القراءة) ذاته الذي تعددت مناحيه ووسائله مع بقاء الورق كأصل ثابت”.
اعتذار شفيف
وتجسيداً للبعد الوجداني والعاطفي لهذه الأزمة، اختارت الشاعرة عبير حلمي أن تدلي بشهادتها من خلال قصيدة نابضة بعنوان “أنا آسف”، صاغت فيها بلسان حال المثقف اعتذاراً مرّاً للكتاب المطبوع بعد أن طغت عليه فوضى العصر الرقمي؛ حيث تقطر كلمات قصيدتها شجناً وعتاباً:
عزيزي الكتاب.. أنا آسف
أنا آسف إني أهملتك.. نسيتك على الرف وركنتك
أنا آسف إني بدلتك.. جعلتك PDF وسجلتك
وعلى الجروبات رفعتك.. مسألتش عنك؟!
مين اهتم ومين تجاهل؟
أنا آسف لأني اهتميت بغيرك.. سوشيال ميديا وحكايات
على صفحات ومدونات.. تسجيل تاريخ وروايات
بدونك إزاي يكون للعمر ذكريات؟
أنا آسف لأن للحداثة ثمن؟! واللي دفع الثمن أنت والأجيال
جيل بعد جيل يفتقد قيمة الكتاب.. ويفتقر لمنظومة العلم والمسلمات
أصبحت الحقائق والتجارب تزييف.. تشكيك بدون حقوق ملكية
أو تصديق بنهاية غلاف.. والكل أصبح كاتب..
كلمة من يمين وكلمة من شمال.. وما أكثر المتشابهات!
أنا آسف لأنك أصبحت ذكرى.. ذكرى لأجمل جيل عدى وفات
ذكرى من أحلى وأغلى الذكريات..
أنا آسف لأنك أصبحت أيقونة.. في مكتبة جميلة كلها مقتنيات
أنا آسف…… صديقي الكتاب
هذه المرارة الشعرية تؤكد كيف تحولت المعرفة الرقمية في كثير من الأحيان إلى محتوى عشوائي مجتزأ يفقد عمق التجربة، ليبقى الكتاب الورقي وحده الصامد بقيمته الموثقة وتاريخه العصي على التزييف.
تحولات رقمية
كان البعض يتوقع أن تموت المكتبات، وأن يقتلها الإنترنت، ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً؛ فالمكتبات اليوم أصبحت تنبض بالحياة أكثر من ذي قبل، ولم تعد مجرد مكان تستعير منه كتاباً، بل أصبحت مكاناً للقاء، والندوة، وحفل التوقيع، وورش الكتابة، والجلسات الثقافية. ففي الإسكندرية، عادت مكتبة الإسكندرية منارة من جديد. وفي القاهرة، ما زالت مكتبات وسط البلد وسور الأزبكية مزدحمة بالعشاق.
وفي هذا السياق المتسارع، يوضح الكاتب والسيناريست مجدي الشحري، أن العقد الأخير شهد تطوراً هائلاً في مجال النشر الإلكتروني، وهو ما انعكس سلباً على حركة ارتياد المكتبات التقليدية؛ حيث قلّ عدد المترددين عليها بشكل ملحوظ مقارنة بالماضي، مستشهداً بتجربته الشخصية لثمانية أعوام والتي كان يحرص خلالها على تزويد مكتبة السينما بأحدث المطبوعات المتخصصة سنوياً لخدمة باحثي الماجستير والدكتوراه مجاناً، لافتاً إلى أن معدلات القراءة تشهد تراجعاً ملموساً برغم توافر الصروح الثقافية كمكتبات مصر العامة وقصور الثقافة المنتشرة بالمحافظات.
ويستطرد “الشحري” مؤكداً أن أزمة النشر وطباعة الكتاب أصبحت تشكل عقبة حقيقية وتحدياً كبيراً يواجه المبدعين من جيل الشباب لدعم إبداعاتهم الأولى في مجالات الشعر والقصة القصيرة، مبيناً أن هذه الفئة تحتاج إلى دعم ومساندة حقيقية لتمكينها من إيصال أصواتها الفكرية إلى النور في ظل الارتفاع الراهن لتكاليف الطباعة والنشر. ومن أجل مواجهة هذا التراجع وإعادة الروح إلى جسد الثقافة الورقية، يطرح “الشحري” روشتة إنقاذ ومقترحاً بضرورة إحياء المبادرات القومية الكبرى، وعلى رأسها مهرجان “القراءة للجميع” وثقافته التي شكلت وعي أجيال متعاقبة، داعياً إلى إعادة تطبيق هذا النموذج في كافة المحافظات المصرية كخطوة أساسية لربط الأجيال الجديدة بالكتاب من جديد.
حميمية المصادر
ومن زاوية البحث العلمي والترجمة، يدلي المترجم إسحاق بندري بدلوه قائلاً: “رغم تنوع مصادر البحث وتطور الفضاء الرقمي الذي يتيح بكبسة زر واحدة الوصول إلى عشرات المقالات والدراسات والملفات المهمة، إلا أنه يبقى للكتاب الورقي حميميته الخاصة؛ تلك التي تظهر جلياً في ملمس الصفحات، وتقليب الأوراق، ورائحة الحبر الذكية التي يُميِّز بها القراء والباحثون بين كتاب عتيق وآخر حديث”.
ويضيف “بندري” موضحاً الأثر الوجداني للورق: “ليس من قبيل المبالغة القول إن مجرد الإمساك بالكتاب يبعث في النفس متعة خالصة لا يدرك سرها إلا عشاقُ القراءة الحقيقيون؛ ورغم أن التفتيش بين المصادر الورقية القديمة والمراجع التقليدية طريقة تتطلب بالضرورة وقتاً أطول ومجهوداً أكبر، إلا أن متعتها وعائدها المعرفي يتركان أثراً لا يُنسى في الوجدان، وهو شعور أصيل وشغف لا يفارق الباحث أبداً وهو يتنقل بيده وفكره بين أوراقها”.
