
لم تكن مجرد صورة عابرة على فيسبوك، ولا تعليقاً غاضباً مرّ مرور الكرام على شاشة هاتف، بل كانت صرخة سكندرية خالصة. مواطن وقف أمام سور كورنيش مكسور في كليوباترا، والتقط صورة، وكتب كلمتين. سيدة عبرت كوبري المشاة في منطقة عزبة سكينة وهي تمسك بيد ابنها خوفاً من السقوط. سائق تاكسي حاصرته إشغالات المقاهي أسفل كوبري الساعة. مريض خرج من مستشفى الشاطبي فوجد إعلاناً متهالكاً يتدلى فوق رأسه. شكاوى صغيرة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة كانت نبض الشارع السكندري كله. وفي محافظة الإسكندرية، كان هناك من يقرأ، ومن يسمع، ومن يتحرك.
فور رصد تلك الشكاوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وجّه المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، تعليمات واضحة لا تحتمل التأجيل: لا نكتفي بالرصد، ولا نكتفي بالمتابعة من المكاتب. انزلوا إلى الشارع. افحصوا. عالجوا. وتابعوا الحل على الأرض حتى النهاية، حيث كان التوجيه حاسماً، وكانت الاستجابة أسرع مما توقع الجميع.
نداء الشارع
في حي شرق، وبالتحديد في منطقة كليوباترا، كانت البداية. سور الكورنيش الذي سُرق جزء منه، عاد من جديد في أقل من 24 ساعة فقط من رصد الشكوى وتداولها. لم تكن مجرد عملية تركيب حديد، وإنما كانت رسالة تقول للمواطن السكندري: صوتك وصل، وشكواك لم تضع في الفراغ.
وفي حي شرق أيضاً، لكن في منطقة عزبة سكينة، كان كوبري المشاة ينتظر دوره. كوبري اعتاد الناس أن يعبروه على حذر، فتم رفع كفاءته وتحسين حالته، ليعود آمناً يليق بكبار السن والأطفال والنساء.
وفي شارع ونجت، كانت المشكلة مختلفة، حيث الظلام والشكاوى المتكررة من ضعف الإنارة، فبدأ العمل فوراً على تحسين مستوى الإضاءة، ليعيد للشارع أمانه ليلاً، وللمارة طمأنينتهم.
تحرك سريع
أما في حي المنتزه أول، أسفل كوبري الساعة، فكان المشهد أكثر ازدحاماً. تعديات الباعة الجائلين وإشغالات المقاهي أغلقت الطريق وخنقت الحركة. نزلت الأجهزة التنفيذية، وأزالت التعديات، وأعادت للطريق سيولته المرورية، وللمكان مظهره الحضاري الذي يليق بعروس البحر المتوسط.
وفي حي وسط، أمام مستشفى الشاطبي، كان الخطر معلقاً في الهواء. إعلان متهالك يهدد سلامة المارة والمرضى. لم ينتظر أحد وقوع الكارثة. تمت إزالته فوراً حفاظاً على أرواح المواطنين وعلى المظهر العام أمام واحد من أهم مستشفيات الإسكندرية.
خمسة تدخلات ميدانية في أيام قليلة، في خمس مناطق مختلفة، جمعها خيط واحد: شكوى مواطن تحولت إلى فعل تنفيذي.
وعد مستمر
وأكد محافظ الإسكندرية أن ما حدث ليس استثناءً، بل منهج عمل مستمر. متابعة ورصد شكاوى المواطنين عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، مع ضرورة الانتقال الفوري إلى مواقع الشكاوى وفحصها واتخاذ الإجراءات اللازمة، ومتابعة تنفيذ الحلول على أرض الواقع.
وشدد المهندس أيمن عطية على أن سرعة الاستجابة لشكاوى المواطنين وتحسين جودة الخدمات المقدمة لهم تأتي على رأس أولويات العمل التنفيذي، وأن رضا المواطن السكندري وتحسين جودة حياته اليومية يمثلان المعيار الأساسي لنجاح الأداء التنفيذي.
في الإسكندرية اليوم، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للشكوى، وإنما أصبحت جسراً مباشراً بين المواطن والمسؤول. المواطن يكتب، والمحافظة تقرأ، والأجهزة تتحرك؛ فمن كليوباترا إلى سكينة، ومن ونجت إلى الساعة والشاطبي، تثبت الإسكندرية أن المدينة التي تسمع أبناءها، هي التي تستطيع أن تتغير حقاً.
