ثقافة وأدبسليدر

صفاء عبد المنعم لـ”صوت البلد”: التراث هو هوية الشعب

في عالم السرد المعاصر، تبرز الأديبة والكاتبة صفاء عبد المنعم كحارسة أمينة على بوابة الذاكرة الشعبية، حيث تقبض على ناصية الحكاية بوعي تربوي وجذر معرفي ضارب في أعماق الهوية، فمن أزقة حي “المطرية” العريق، المضمخ بعبق التاريخ وسحر حكايات الجدات، انطلقت بوصلتها الإبداعية لتصنع صوتاً سردياً خاصاً وشديد الخصوصية، انفلقت به عن السائد، وتجاوزت عبره قوالب المحاكاة لتنحاز إلى أدب الهامش والوجع الإنساني.

تنقلت صفاء عبد المنعم في مشروعها الإبداعي بين القصة والرواية والبحث الأنثروبولوجي الميداني، فكّكت بنية الزمن، وخاضت مغامرة الكتابة بالعامية المصرية بصدق فني خالص، متسلحة بدبلوم النقد الفني من أكاديمية الفنون، وبعقود من العمل التربوي كمديرة مدرسة ومؤسسة لورش الموهوبين، لتصبح بحق نموذجاً للمثقف العضوي المشتبك مع قضايا مجتمعه.

“صوت البلد” التقت الأديبة في حوار اتسم بالعمق والصراحة، لتفتح لنا خزائن ذاكرتها، وتفكك أزمة النقد والجوائز الراهنة، وتكشف عن ملامح مشاريعها القادمة.. فإلى نص الحوار:

 

منابع الوعي

 

نبدأ من الطفولة في حي المطرية وجلسات “حدوتة الجدة”، كيف صهرت هذه الأجواء الشعبية المبكرة وعيكِ ووجّهت بوصلتكِ نحو عالم السرد؟

حكايات الجدة كانت بوابتي السحرية الأولى للعبور إلى عالم الخيال الفسيح عبر “حدوتة قبل النوم”؛ فلم تكن جدتي تحكي لمجرد التسلية، بل كانت تختزن في ذاكرتها المواويل والأشعار والأمثال الشعبية التي تضفي بهجة آسرة على طريقتها في الحكي، وتستحضر المثل كشاهد حي على الأحداث والمواقف اليومية، حيث عشت في هذا المناخ متشرّبةً العادات والتقاليد والطقوس الشعبية في الأعياد والمناسبات.

أما حي “المطرية”، فهو حي شعبي بالمعنى الحضاري العميق؛ كانت قرية ذات أراضٍ زراعية قبل أن تتحول إلى كتل خرسانية، فضلاً عن ثرائها التاريخي بوجود “شجرة مريم”، و”بئر مريم”، و”مسلة سنوسرت” الأثرية، وبقايا جامعة “أون” القديمة، إذ إن هذا التمازج بين الطبقات، والحضارة القديمة، والروح الريفية، وجامع “المطراوي”، ومظاهر التلاحم الإنساني في “مولد العذراء بمسطرد”، حينما كنا نذهب معاً – مسلمين ومسيحيين – كان كل هذا العالم المدهش والزخم الإنساني هو الذي شكّل خلفيتي السردية العميقة.

 

قيمة التقدير

 

حظيتِ بتكريمات رفيعة محلياً وعربياً آخرها احتفاء بمسيرتكِ؛ ماذا تعني هذه التقديرات لـ”بنت المطرية”؟

التكريمات والجوائز تمثل دائماً محفزاً معنوياً مهماً للكاتب؛ إذ إنها رسالة تقدير دافئة تهمس في أذن المبدع: “أنت تكتب.. ونحن نراك ونثمن جهدك”، حيث إن هذا التقدير يعود بصدى خاص جداً لكاتبة مثلي، اعتمدت في مسيرتها بشكل كلي وشريف على جهدها الذاتي وقيمة نصها الأدبي دون أي حسابات أخرى.

 

الأصالة السردية

 

في بداياتكِ القصصية، شُبِّه أسلوبكِ بأسلوب الأديب الراحل يحيى الطاهر عبد الله؛ كيف أثر هذا التشبيه على مسيرتكِ، وكيف استطعتِ الانفلاق عنه وتشكيل بصمتكِ الخاصة؟

حين كتبت قصتي الأولى “يوم عاصف” عام 1983، صغتها في هيئة جمل تلغرافية مكثفة وسريعة، متخلية تماماً عن الحشو الزائد والوصف الممل. ففي ذلك الوقت، لم أكن قد تعرفت بعد على المدارس الأدبية الحديثة، ولا على أدب يحيى الطاهر عبد الله. لكن بعض الأصدقاء أشاروا عليّ بقراءة “نتالي ساروت” و”آلن روب جيريه”، موضحين أن هذه هي ملامح القصة القصيرة الحديثة. وفي العام نفسه، صدرت الأعمال الكاملة للراحل يحيى الطاهر عبد الله، فاقتنيتها وانبهرت بأسلوبه الفريد وشديد الخصوصية.

ومع اتساع رقعة القراءة، بدأت أنعطف نحو الذات، لأكتب عما يخصني ويشبه تجربتي الحياتية الشخصية في هذا العالم. ولاحقاً، قرأت عن “النسوية” واستلهمت منها ما يناسب أفكاري ويتقاطع مع انحيازاتي الإنسانية، ومن هنا انفلقتُ عن أي تشبيه وصنعتُ صوتي الخاص الخالص، وتحديداً منذ مجموعتي “أشياء صغيرة وأليفة” الصادرة عام 1996.

 

 أدب الهامش

 

روايتكِ الأخيرة “بعد منتصف الليل” تنتمي إلى أدب الهامش النسوي وتناقش العزلة والانهيار النفسي عبر شخصية “جيهان”؛ ما الذي أردتِ تفكيكه في المجتمع المعاصر من خلال هذه التجربة؟

في “بعد منتصف الليل” أردت تعرية هزيمة الروح وتفكيك الكيفية التي يتم بها تدمير الذات الإنسانية في ظل صعود “طبقة الطفيليات” وانهيار الطبقة الوسطى بكل شرائحها، فشخصية “جيهان” كانت النموذج الأقرب والأنصع لهذا التآكل؛ فهي تنهار انهياراً كاملاً تترجمه سيكولوجياً بالزحف على الأرض كالحيوان، لتعكس صورة الإنسان المهزوم تماماً أمام واقع منحط يقوض حضارته ويهدم قِيَمه الجمالية مقابل تشييد مبانٍ خرسانية قبيحة وبلا روح.

 

مغامرة العامية

 

خضتِ تجربة جريئة ومميزة برواية “من حلاوة الروح” المكتوبة بالعامية المصرية؛ ما هي أبرز التحديات التي واجهتكِ لضمان ألا تفقد الرواية عمقها الفني أمام بساطة اللغة؟

رواية “من حلاوة الروح” رصدت تحولات الطبقة الشعبية في المسافة الزمنية الحرجة ما بين هزيمة 1967 وحتى وفاة الزعيم جمال عبد الناصر عام 1970، والذي كان يمثل لجموع البسطاء “نصير الغلابة”، وحين غاب هذا “الأب الحامي” خرج الجميع مكسورين في جنازته.

هنا، فرضت اللغة العامية نفسها كضرورة فنية ملحة؛ فهي لغة الشعب، والبسطاء، ولغة الهامش الحية؛ فكتابة هذا العالم بالفصحى كانت ستجهض “الصدق الفني” للنص. ولأنني ابنة بارة لهذه الجماعة الشعبية ولحي المطرية، استطعت القبض على ناصية اللغة العامية كما تتدفق على ألسنتهم بكل ما تحمله من جمال، وعمق، وجذر ثقافي؛ فاللغة في النهاية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الوعاء الحامل للهوية والثقافة.

 

أفق التجريب

 

تميزت أعمالكِ بتفكيك البنية الزمنية والانفتاح على التجريب؛ هل ترين أن القارئ العربي المعاصر، وخاصة رواد المواقع الإلكترونية، أصبح أكثر تقبلاً للتجريب السردي؟

في عالم التجريب السردي، نولد كل يوم مع نص جديد ومختلف ومفارق لما قبله، لكن هذا مشروط بنضج المبدع؛ إذ يجب على صاحب النص أن يكون قارئاً نهماً وشغوفاً، هضم السرديات الكبرى والملاحم، وألمّ بمفهوم التجديد، واطلع على المدارس الأدبية ليعرف بدقة: أين يقف؟ وماذا قدم؟ وكيف يكتب ويجدد؟ فبالنسبة لي، تُمثل كل رواية تجربة جديدة تماماً ومغايرة لما سبقتها؛ فالكتابة المدعومة بالوعي والنضج تصي

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20171

موضوعات ذات صلة

الإعدام شنقًا لـ “مسن ” متهم بهتك عرض قاصر في إسنا

أحمد الفاروقى

ترامب يربك إسرائيل باتفاق مرتقب مع إيران

المحرر

أقراط ذهبية نادرة في كشف أثري ب هليوبوليس

نجوى سليم

إحياء التراث المعماري.. تجارب منفردة تفتقد الرؤية الشاملة

المحرر

التعليم العالي يوسع “الحرم الجامعي الجديد”

سلوي عمار

البابا تواضروس: الموبايل انهى على عصر الإنسانية

حازم رفعت