ثقافة وأدبسليدر

د. كمال يونس لـ(صوت البلد): التفكيكية حولت المسرح لأشلاء

دكتور كمال يونس

بين دقة التشخيص الطبي في رصد الداء، وحسم الرؤية النقدية في تفكيك الظواهر الفنية، يقف الدكتور كمال يونس متفرداً بقلمٍ يزاوج بين لغة البيان الواضح وسيكولوجية الإبداع. في هذا الحوار الجريء لـ“صوت البلد”، يفتح الناقد والأديب الكبير النار على واقع المسرح المصري المعاصر، مشرحاً “هوجة المونودراما” و”تزييف التجريب”، ومحذراً من تفكيكية نخبوية أصابت المشهد بـ”التشظي” وعزلت الجمهور عن الخشبة، ليرسم بجرأته المعهودة خارطة طريق لإنقاذ أبي الفنون من عثرته الراهنة.. فإلى نص الحوار:

هل ساهم تخصصك الطبي وفهمك لـ”سيكولوجية الطفل” في تفكيك أبعاد الشخصيات المسرحية التي تناولتها بالنقد؟

بكل تأكيد؛ فدراستي وعملي كطبيب أطفال لعبا دوراً محورياً في تشكيل هوية قلمي ولغتي النقدية، حيث ألهماني صياغة خطاب يتسم بالبيان الواضح والشرح المفسر الذي يبتعد عن التعقيد والتنظير الأكاديمي الجاف. هذا التخصص منحني القدرة على التواصل السلس مع ضبط دقة اللفظ والمعنى؛ فلا أستخدم مصطلحاً إلا بعد تدقيق أبعاده، فضلاً عما وفره لي من مهارة في سبر أغوار وتفاصيل الشخصيات التي يبتكرها المؤلفون، أو حتى الجمهور الذي أخاطبه في مقالاتي النقدية.

عزلة النخبة

أين تكمن أزمة المسرح المصري اليوم؟ هل هي أزمة نص، أم غياب جمهور، أم تراجع دور مسرح الدولة؟

الأسباب كلها مجتمعة شكلت أزمة المسرح المصري وواقعه المتردي فكراً وفناً؛ إذ تحول إلى “مسرح مهرجانات” صفري المردود، أسير للرؤى الهلامية والاهتمامات الخاصة للقائمين عليه، وتبني التقاليع الغريبة دون مراعاة لقبول الجمهور. أما أزمة النص، فتتجلى في الاتكاء المفرط على النصوص الغربية، وتدويرها تحت مسميات فضفاضة مثل (رؤية، إعداد، دراماتورج)، بل ونقل حوارات بحذافيرها من أفلام أجنبية، حتى باتت العروض تكراراً لأسماء غربية بعينها. وفي المقابل، تحولت لجان القراءة في مسرح الدولة إلى “مقبرة للنصوص”؛ إذ لا تضع في اعتبارها جودة النص بل اسم كاتبه، مما أنتج احتكاراً فجاً، حيث تُقدم أعمال نفس المجموعة وتُمنح الجوائز، بل إن بعضهم يقدم أكثر من عمل في الموسم الواحد، بينما يُقصى الآخرون بشكل وحشي. هذا الاحتكار وتناول تيمات درامية لا تتماس مع واقع الناس، أدى إلى تآكل الجمهور وهجرانه للمسارح؛ لدرجة أن أغلب العروض لا تُقدم سوى يومين في الأسبوع ولا تستمر لأسبوعين، بل إن بعض الصنّاع يجمعون ثمن التذاكر من جيوبهم لاستكمال مدة العرض! والمفارقة الصارخة تجلت في المهرجان القومي للمسرح المصري هذا العام (دورة 2026)، حيث خُصصت ندوتان لمناقشة “من هو الجمهور؟” وكيفية اجتذابه، في اعتراف رسمي بالأزمة.

ويواكب ذلك تراجع دور مسرح الدولة الذي خلا من النجوم الجاذبين للجمهور، وفرار الممثلين من خشباته نظراً للمجهود الشاق والبروفات التي تمتد لشهور دون جدوى مادية أو معنوية، وبميزانيات محدودة للغاية، مما يدفعهم لتفضيل السينما والتلفزيون.

نحن اليوم أمام مفارقة عجيبة: هناك زخم إعلامي، واتساع في أعداد الهواة وطلاب الفنون، لكن المسارح خالية فكراً وفناً وجمهوراً، واقتصر الحضور على المتسابقين وأصدقائهم ليتابعوا بعضهم البعض، في ظل إعلام مسرحي ونقدي “مرتزق”. والحل يكمن في خطوتين: أولاً، تقليص عدد المهرجانات الكبرى والتنسيق بينها لعدم ضرب المواسم المسرحية، على أن يكون المهرجان القومي هو الفعالية الرئيسة كسوق عكاظ يعرض أفضل عروض الكتاب المصريين والعرب ليدفع بهم للضوء، مع إزاحة “الحفريات” التي تأبى مغادرة صدارة المشهد والندوات. ثانياً، وضع ضوابط صارمة تهدف لتقديم فن حقيقي بعيداً عن كواليس التوازنات والمجاملات، و”الريد كاربت”، وجوائز التأليف التي أصبحت بلا رابط؛ فما القيمة أن يحصد كاتب جائزة تأليف بينما لا يرى نصه النور على الخشبة؟

ناقشت في دراساتك النقد المسرحي بين “البنيوية والتفكيكية”، كيف يمكن تبسيط هذه المناهج الأكاديمية لخدمة صناع العروض المعاصرة؟

لتسهيل الأمر على صناع العروض، يمكننا القول إن النقد البنيوي يركز على العرض المسرحي كبنية متكاملة؛ إذ يحلل العملية الإخراجية من خلال “تشكيل الصورة المسرحية”. وينقسم هذا التشكيل إلى ثلاثة عناصر: (الصوامت) كالديكور والإضاءة والأزياء والمكياج، و(النواطق) كالموسيقى والحوار والمؤثرات والأغاني، و(الحركات) كأداء الممثلين والاستعراضات.

الناقد البنيوي يفكك هذه “العلامات السيميائية” ليفتح الباب لتفسير النص وتأويله (الهرمنيوطيقا) عبر تساؤلات جوهرية. أما التفكيكية، التي أسسها الفيلسوف “جاك دريدا” في مرحلة ما بعد الحداثة، فهي تلتقي مع البنيوية في تحليل عناصر العرض، لكنها تذهب لأبعد من ذلك؛ إذ تحاول إثارة معانٍ جديدة تماماً قد لا يَقصدها المؤلف نفسه، انطلاقاً من مبدأ عدم ثبات المعاني، لخلق قراءات مغايرة تحقق تفاعلية أكبر. لكن الأزمة الحقيقية في الواقع التطبيقي هي أن العروض “التفكيكية” ذات الطابع التجريبي، فقدت تواصلها مع الجمهور العادي، وانحصرت في دائرة النخبة. هذا الأمر عمّق عزلة المسرح وأدى إلى “تشظي” المشهد بين النخبة والنقاد والجمهور؛ فالإفراط في كسر خطية السرد التقليدي، والسعي نحو تعقيد مشتت، حوّل التفكيكية إلى مرادف لتشريح العرض وتحويله إلى أشلاء، ما أصاب المتلقي بالنفور والضجر لعجزه عن تلمس معانٍ واضحة وسط علامات مجهدة للذهن وخالية من الدلالات المألوفة، حيث يتضاعف هذا النفور عندما يفكك المخرج عناصر تراثية أو شعبية راسخة ليعيد بناءها في سياق غريب، فلا يدفع المتلقي للمتابعة بشغف، بل يدفعه لمغادرة القاعة ساخطاً. ولعل هذا ما حدث لعديد من العروض الشهيرة لـ”شكسبير” أو “ألفريد فرج” التي قُدمت برؤى معاصرة وتفكيكية؛ نالت اهتمام النخبة، لكنها فشلت في تحقيق أي رواج جماهيري.

هاجمت في مقالاتك ما سميته بـ”هوجة المونودراما” و”تزييف المسرح التجريبي”، ما الذي يعيب هذا القالب الدرامي في رأيك؟

انتعاش المونودراما جاء مدفوعاً بعوامل اقتصادية، ولسهولة تنقل العروض بين المهرجانات. ومع الاهتمام الخليجي الكبير بها، تحولت إلى ظاهرة متفشية أنتجت مهرجانات تفوق مهرجانات المسرح التقليدي الذي ألفناه.

الأزمة الحقيقية تكمن في تمدد هذه “الهوجة” إلى المسرح المدرسي (الإعدادي والثانوي) دون دراسة لمدى ملاءمتها، فالإفراط فيها يهدد جوهر المسرح؛ لأن العمل المسرحي في أساسه قائم على التشاركية والعمل الجماعي أولاً وأخيراً.

في كتابك “البحث عن ليزا”، اخترت السخرية القصيرة والمكثفة؛ ما سر انحيازك للإيجاز في زمن يميل للإطالة؟

في “البحث عن ليزا”، وكذلك في مجموعاتي القصصية “ساعة زمن” و”بكاء الملائكة”، حرصت على تبني لغة مكثفة تتسق مع إيقاع العصر السريع، وتتحرر من فخ الوصف والترادف الزائد، حيث كنت حريصاً على توظيف كل كلمة درامياً وصياغتها بلغة تعبيرية مصورة، بحيث لا تتعدى مدة قراءة أي قصة خمس دقائق على الأكثر.

أشاد الفنان محمد صبحي وقامات أخرى بأسلوبك، ما أبرز نصيحة تركها لك هؤلاء العمالقة وما زلت تعمل بها اليوم؟

فنان الشعب الأستاذ محمد صبحي هو أستاذي وصديقي، وأعتبره قدوة في الالتزام الفني. أبرز ما تعلمته منه وعملت به، هو تقديم إبداع يحمل رسالة فنية وفكرية ممتعة، يصنع تماساً حقيقياً مع الجمهور ويعبر عنه، على أن يُطرح كل ذلك في إطار راقٍ ومحترم.

كتبت عن جمال عبد الناصر كرمز للكبرياء العربي؛ كيف ترى توظيف الرموز التاريخية والسياسية في الدراما المعاصرة؟

تناول الشخصيات والرموز التاريخية في الدراما أمر بالغ الأهمية؛ فنحن بحاجة لاستدعاء عناصر القوة والتميز في ماضينا، لتحويلها إلى طاقة أمل ونماذج قدوة تلهم حاضرنا وتدعم مسيرتنا.

ما هو مشروعك النقدي القادم الذي تعكف عليه الآن؟

أستعد حالياً لإصدار كتاب بعنوان “مراجعات مسرحية”، وفيه أتناول بالدراسة والتحليل العميقين أدق القضايا الإشكالية المثارة حالياً على الساحة المسرحية المصرية والعربية حالياً.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23342

موضوعات ذات صلة

مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب

سارة الدسوقى

إنجي كيوان: كريم فهمي صارم في التصوير

أحمد عاشور

نجيب في معرض القاهرة.. أصداء السيرة الخالدة

شيماء عيسي

أحمد عز أرقام تؤكد صعوده السينمائي

أحمد عاشور

أغاني المهرجانات.. الذوق والصراع

أيمن مصطفى

 تامر عبد العزيز: التبعية أخطر أزمات النقد العربي

سارة الدسوقى