
من منّا خطت قدماه فوق الرمال فاستشعر دبيب من عبروا من قبله وتنسم أنفاسهم. حلّق ببصره في السماء فتدانى لسمعه نبض الكون وخفق قلبه مع قصص البشر؛ بطهرها وآثامها، أفراحها وأحزانها. وهل تقودنا شفرة التواصل مع الكون لنهاية جعلت العارفين يخفون أسرارها جيلا بعد جيل؟
تصحبنا رواية د.أحمد عبد العزيز، بعنوانها العرفاني “كما فوق… كما تحت”، والصادرة عن دار “الرسم بالكلمات”، لرحلة مشوّقة ندرك معها جوهر الحياة، وثمن امتلاك المعرفة؛ حيث الإنسان والكون، الظاهر والباطن، متناظران، كما تقول الحكمة الهرمسية القديمة: فكما فوق كما تحت!
تقوم الرواية على بناء سردي محكم ومشوّق لعالمين متوازيين؛ فبينما نتابع في الأول مغامرة “إدريس” لاكتشاف سر مقتل أبيه عالم الآثار المصري، القادم من الجنوب، والذي تمكن من شفرة الاتصال بالعوالم الأخرى، ننتقل في قصة موازية لحياة جيهان عالمة الفيزياء التي تسعى للاتصال بأقران البشر في كواكب أخرى بعد أن يئست من أن تجد الحب في عالمها. وبينما يزداد سقوط جيهان في عمق المأساة، تتحول رحلة إدريس إلى مسعى ذاتي ينتشله من العبث والضياع. ويصبح اسم “إدريس” ذاته هنا دالًا كون النبي إدريس عليه السلام هو رمز الحكمة السماوية المشعة من مصر القديمة.
شاعرية مفعمة بالحياة
“كعادتها لم تتوقف الشمس يوما عن ممارسة هوايتها في البزوغ والأفول. كأنها ترس عملاق يدور في ساعة الزمن. “
كُتبت الرواية بلغة تميل للشاعرية في السرد الوصفي والنفسي؛ لكن السرد يتدفق أيضا بلغة الحياة اليومية المفعمة حيوية وسخرية وخاصة في حوارات زيزي وإدريس، وهي تلك الفتاة التي تلعب دورا في دفع إدريس لمواصلة البحث عن كنز أبيه، وبرغم ذلك ندرك من كلماته معها حجم الخواء داخله والذي لا يتيح لأن يعرف الحب إلى قلبه سبيلا.
أما حين نتأمل شفرات الرواية فنرى معها لغة عرفانية تفيض من كلمات إخوان الصفا والحكيم هرمس وكلمات عمر الخيام والتي تصبح دالة في سياق الرواية: ” فامش الهوينا ان هذا الثرى من اعين ساحرات الاحورار” وكأن التخلي عن الغرور هو عتبة الارتقاء الإنساني.
وهذا المغزى الذي تحمله الرواية في وصل الإنسان بالكون هو جزء من الحقيقة التي تسطع في القرآن الكريم “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ” ولكننا هنا ندرك في نسيج الرواية مع تساؤلات إدريس الطفل الصغير عن تكوين الذرة في أجسادنا والذي يشبه تماما تكوين المجرة بنواتها وطواف الاجسام حولها.. وكأنهما وجهان لنفس العملة!
الكنز الدفين
مكانيا، تحلّق بنا الرواية من صقيع كندا وكنيستها المعمدانية، لدفء الجنوب حيث معبد إلياهو بالإسكندرية وضريح طريقة صوفية “عنبرية” ووصولا لضفاف الأقصر ونهر النيل الخالد بجوار مرقد الأب والجذور حيث الرسالة الحقيقية التي قاد الأب ابنه لاكتشافها في رحلة من الرموز ولكنها تلخص لنا سعي البشرية لأثر الحكمة، وكأن الفلسفات والديانات كلها فروع لشجرة واحدة.
وكلما خضنا مع البطل وجدنا إشارات صغيرة تقود رحلته، كعبارة فوق لوحة زيتية تعود لإنجيل الحقيقة، أو أسرار منقوشة في كتاب للجزري، أو عبارة دونها المبتدئون الثلاثة بداية القرن العشرين، أو أسرار تركها إخوان الصفا في رسالتهم الأخيرة،وكأنها أدوار تكمل بعضها الآخر في كشف صلتنا بالكون. ويبدو البطل بخلفيته الثرية وكأنه صنيعة أحسن والده في إعدادها لاستكمال تلك المهمة، وتصبح رحلتنا معه وجبة من الفلسفة والتاريخ والعلم منسوجة على نول الخيال.
الهروب مع منير
“اسكن بيوت الفرح آه ممكن.. اسكن بيوت الحزن لا يمكن”
في الرواية لا تفارقنا أغاني محمد منير والتي يحمل كل منا معها ذكريات دافئة، لكنها تتحول لمعنى شديد الخصوصية يعيد البطل لتلك الأيام مع أبيه في الأقصر، حيث كانا يغنيان سويا، وكأنها لخيط عاطفي وملاذ للهروب مع أجوائها فرحا وشجنا، “شبابيك” و”شجر الليمون” و”ممكن”، خاصة وأن البطل قد أصيب برهاب الغرباء أو الأجروفوبيا، ومن ثم أصبح ارتداؤه للوكمان وشروده مع أغاني منير حيث جذوره هي طوق نجاته لمواجهة رياح غربته وضياعه في البلاد الباردة.
كان إدريس يفتقد الدافع للحياة ولما توهج مع رحلة البحث رأينا كيف تعلم الفطام عن سماعات الهروب، واصبح منير صوت بهجته لا هروبه، وفي مشهد دال نراه وقد صار مستعدا للبكاء حتى الخشوع إلى ذات جذع الشجرة الذي احتضن خوفه، وكأن مشاعره تتحرر، ثم كيف يتهلل بمرأى ذات الكلب الذي شعر بألمه، والذي برغم السنوات لم ينس صاحبه، وكانها رسالة الكون!.
ما قبل الاعتراف
اختارت الرواية أن تدربنا على إزالة القناع عن وجوه البشر؛ حين نصدق الراوي العليم حتى نكتشف أنه يخدعنا في الثلث الأخير من الرواية، ويجعلنا نستمع لطقس اعترافات الأبطال بجرائمهم، وكأنها محاولة أخيرة للتطهّر قبل نهاية العالم!
تقدم الرواية شخصيات معجونة بالخير والخطيئة معًا؛ لكنها تستدرجنا للتعاطف معها تدريجيًا أو تفهم دوافعها حين تسترجع ماضيها ؛ حين نبكي مع إدريس وهو طفل يحتمي بين فروع شجرة في شارع بوراردو الكندي، بينما الثلوج تغطي كل شيء، ووحشة الليل تطل كأشباح، خائف يترقب الموت الذي يلاحق أبوه مع العصابة، فلا ينقذه وهو ملقى بقدم مكسور من أثر السقوط، سوى “كلب أبيض” وكأن الكون يسمع ما يسمعه من صوت منير في أذنه: “شجر الليمون دبلان على أرضه..”
هذا الحرمان يقود إدريس للعدمية والتي ينتفي معها معنى الحياة، ومع الشعور بعدم الأمان يتحول إدريس لمحتال إلكتروني بلا قلب، وكانه يؤلم البشر الذين آلموه ولو لم يعرفهم، ولذا نجده يضخ ما يجنيه في دار لرعاية الكلاب باسم “حراس العبث”!
لم يكن غريبا إذا أن نجد إدريس قد تحول لقاتل يعترف لنفسه ليتطهر، لكنه يدرك انه وقع في مصيدة دكتور يوسف يعقوب صديق والده وزيزي تلميذته، من جماعة “فرسان النور” فتحولت مشاعر إدريس هنا للانتقام بالبطيء في حبكة مثيرة تخبرنا بها الرواية.
وحش امرأة
“كاسد جريح ينهش اي حب يجده أمامه”
حين نتحول لجيهان وهي بئر الحرمان الأنثوي، نرى امرأة يمضي بها قطار العمر دون أن تشعر بالحب، يتهمها الجميع بأنها مشؤومة بعد مقتل أسرتها وعريسها محترقين، ولكنها تتماسك بعد فترة ضياع وتصبح “ماما جيهان” التي تفتتح مقرا لاجتماع نساء المنتجع الشمالي واحتضان أطفالهم. صورة طيبة يضاف لها صورة العالمة التي تواصل العمل في محطة الإرسال اللاسلكي وتحقيق حلمها في التواصل مع الأجساد الأثيرية خارج الأرض والمفعمة بالحب والسلام الذي تفتقده!
لكننا سنرى براعة الرواية في تغيير قوس الشخصية مع اعترافاتها الأخيرة لذلك الفضائي المجهول، وعمق مأساة امرأة تحولت لعاهرة بدلا من محبوبة، ووحش يتلذذ بدم ضحاياه الذين اكتشفت أنها كانت لهم مجرد بضاعة رخيصة، بمن فيهم “سامح” الذي انتهكها وكأنه يتحول لعقاب القدر لها.
بل ندرك معنى الغيرة المدمرة حين تصل بجيهان “الظمآنة للحب في صحراء حياتها”، لسحق أقرب صديقاتها لأنها تعيش حياة حُرمت هي منها، وتتسلى بأسرتها، وكأنها صارت شبحا يقتل أي سعادة بدم بارد، ثم ينوّح ليلا ويحتقر نفسه والأيام!
حين تصل رسائل جيهان لوعي إدريس، يتصل الشمال والجنوب، الفضاء والأرض، سنرى أن قلبه لم يرجمها ولم يلعنها، ربما لأنه تذكر أنه أيضا اقترف الخطايا، وربما لأن حرمانها من الحب لمس وترا قديما لديه، أو أن دور القاضي لا يصلح مع امرأة .. قد ماتت
ترنيمة أخيرة
“في ليلة واحدة شعر إدريس ان عمره صار الف عام”
تظهر الرواية عمق المأساة الناجمة عن المعرفة حين تفيض عن حاجة البشر؛ مع مشاهد رسائل البشر التي قرأها إدريس ورأى تكرارهم لجبروتهم وظلمهم. ومع جماعة ملعونة تدعي أنها فرسان النور وهي تقتل كل من يمتلك سر المعرفة، تماما كما قتلوا صاحب سر شجرة الحياة، وكما حرموا إدريس من أبويه الذين يشعان بهجة في الصورة وهو بينهما على ضفة النهر.
في مشاهد الختام نرى تحول إدريس لدور الفعل وليس ردة الفعل؛ وسنرى ما سيفعله بجهاز اللاسلكي، وبحبل منصوب كمشنقة فوق النهر، وأمام وهج السماء المشتعلة لأن الكون البعيد قد وصلته إشارة الأرض!
وتظل أجمل ما تبدع فيه الرواية هي رسالة الأب المهدي المطمورة في قاع البحيرة المصرية، ولغات الحضارات تتخاطب بلغة السلام، تخبر بأن مصيرنا واحد، نبضات تحل شفرة لقاءنا بالكون لكنها لا تدعونا إلا أن نكون بشرا، أو كما يدندن منير:
ما نرضاش يخاصم القمر السما ما نرضاش
تدوس البشر بعضها ما نرضاش
يموت جوه قلبى نداه
اقرأ أيضا
فاطمة العوا: حكايات الإنسان قارب النجاة زمن الحرب
