
من النفخة الأولى التي سرت في الطين، تولد الدهشة؛ ومن دهشة البدايات ينبثق الشعر. بديوانها المتوج مؤخرًا بجائزة باشراحيل لعام 2026 فرع الفصحى “أول ما رآه الطين”، تأخذنا ياسمين صلاح، المدرس المساعد بقسم الجلدية في جامعة أسيوط، في رحلة ارتدادية نحو عالم الذر، حيث الأشياء تُكتشف للمرة الأولى، وحيث الجمادات تشاطر الإنسان عبء الوجود وحرقة الأسئلة، والباب والعنكبوت شركاء في العزلة والحزن.
في هذا الحوار، تفتش “صوت البلد” معها في كواليس قصيدة النثر، ونحاور لغتها التي تشكلت بين بيئة أدبية ورثت فيها عشق الفصحى، وبين تفاصيل حياتية يومية تجمع بين عيادة المريض ووقفة المطبخ وسير الشارع، لنكتشف كيف يتحول الموت والفقد إلى طاقة إبداع تحاور الغياب.
كيف استقبلتِ خبر الفوز بجائزة “باشراحيل” ، وماذا يمثل لكِ كمحطة في مسيرتكِ الإبداعية؟
استقبلت هذا التتويج بمزيج من السعادة، والامتنان، والدهشة الكبيرة؛ خصوصًا أن ديواني “أول ما رآه الطين” ينتمي إلى تجربة شعرية تتكئ على قصيدة النثر، وهو شكل شعري لا يحظى دائمًا بالحضور ذاته في المسابقات الأدبية التقليدية. هذه الدهشة تصيبني كلما فرض شعري نفسه كصورة تمثل جوهر الشعر الحقيقي في منافسة الأشكال الكلاسيكية؛ لذا شعرت أن هذا الفوز ليس تقديرًا شخصيًا فحسب، بل هو إشارة جليّة إلى انفتاح المشهد الثقافي على تجارب شعرية جديدة ومغايرة.
يمثل محطة فارقة تتزامن مع صدور ديواني الثالث، وتمنحني دفعة قوية للاستمرار في الكتابة والتجريب. كما يسعدني أن أرى مشروعًا أدبيًا بدأ مع خطاي الأولى في الطفولة، يتشكل اليوم ويترسخ واقعًا، على الرغم من انشغالي الدائم بمهنة الطب بمسؤولياتها الكثيرة.
كواليس الخلق
لكل قصيدة فصحى عظيمة كواليس تشبه المخاض؛ كيف ولدت فكرة نص “أول ما رآه الطين”، وما الحالة الوجدانية التي كانت تسيطر عليكِ أثناء كتابته؟
أول ما رآه الطين هو المفتاح الأساسي لقراءة الديوان، والوصف الدقيق للحالة الوجدانية المهيمنة عليه. في كل قصيدة، ستشعر أنك تعود بالزمن إلى عالم الذر؛ لتتأمل معي شعور المخلوقات في مواجهتها الأولى مع الحياة، ولحظات الخلق الكبرى.
لقد حاولت في نصوص هذا الديوان عقد جسر يربط بين تلك اللحظات الأولى وبين الإنسان المعاصر، لنكتشف أن أسئلتنا الوجودية القديمة ما زالت تسكننا حتى اليوم. في هذا الديوان، تشترك الجمادات والمخلوقات مع الإنسان في مشاعره؛ فالباب قد يكون حزينًا مثلك، والعنكبوت المتربص بأعلى الجدار قد يصبح صديقك.
لذا، كانت تسيطر عليّ أثناء الكتابة حالة ممتدة من التأمل وتمدد الخيال للنفاذ إلى ما وراء الأشياء والمشاعر الفطرية. وهذا التدفق يحدث يوميًا دون تخطيط مسبق؛ فأنَا أكتب القصيدة في عقلي طوال الوقت: وأنا أسير في الشارع، أو أردد أغنية، أو أتابع مريضًا، وحتى وأنا أقف في المطبخ.
فلسفة الطين
عنوان عملكِ يذهب بالذاكرة فورًا إلى أصل الخلق، وإلى نزعة فلسفية أو ربما صوفية؛ ما الذي رآه الطين في قصيدتكِ، وكيف تلتقي المادة الأولى للخلق بالرؤية الشعرية؟
الطين في قصيدتي رأى الوعي والإدراك في تجليهما الأول؛ رأى الخوف، والحب، والفقد، والأسئلة الكبرى قبل أن تتجسد في صورها البشرية المألوفة. الطين هنا ليس مجرد المادة الفيزيائية للخلق، بل هو رمز للمخلوقات كلها في لحظة دهشتها الأولى أمام الوجود.
يسعى الديوان إلى تحويل حدث الخلق من مجرد ذكرى تاريخية بعيدة إلى صيرورة مستمرة ومتجددة؛ فكأننا نرى الأشياء الآن للمرة الأولى، وما زلنا نستكشف الحياة بالدهشة ذاتها التي بدأ بها الإنسان رحلته. إنه محاولة لدمج المشاعر وجعلها متجانسة بين المخلوقات كافة، وكأن الزمان والمكان يتلاشيان، لتصبح تلك النفخة الواحدة التي سرت فينا جميعًا هي ما جعلتنا شعراء بالفطرة.
ما أقرب اقتباس يمس قلبكِ من هذا الديوان؟
” هب أن مفاتيحك معي
أغلق ما تفتحُه
وأفتح ما تغلقه
هب أنني الحارس على السر
أهددُ بالكشفِ
ألوحُ بالوحدةِ
أقفُ على قدمٍ واحدةٍ كعلامةِ تعجب
وأقاومُ الأيدي التي تدكُّ رأسي
لا للشمس؛ لن تعبرَ العتبة
لا لشحاذي الحياة؛ لن يشبعَ جوفُهم بعضي
هل تتركُ لي مكانك؟
هل تعودُ إلى شجرتك وتشكوني إليها؟
مفصلاتك المخلصةُ تطردني
فلماذا تنافسني في الحزنِ أيها الباب؟! “
صوت الشعر
كتابة شعر الفصحى تتطلب تمكنًا لغويًا وموسيقيًا صارمًا إلى جانب الموهبة؛ كيف ترين حضور الشاعرات المصريات والعربيات اليوم في مضمار شعر الفصحى، هل نجحت المرأة في صياغة لغة شعرية خاصة بها بعيدًا عن السائد؟
على الصعيد الشخصي، ولدتُ عاشقة للغة العربية؛ وقد حظيت في مرحلتي الإعدادية بالفوز بمسابقة تابعة لوزارة التربية والتعليم في النحو والخطابة والتحدث بالفصحى على مستوى الوطن العربي. يعود الفضل في ذلك بعد الله لوالديّ اللذين درباني منذ الصغر على تذوق الأدب وتأمل الشعر.
في هذه البيئة، تضافرت الموهبة مع حب اللغة لتشكل مدخلي إلى عالم الأدب الذي بدأت محاولاتي فيه منذ المرحلة الابتدائية. ومنذ تلك البدايات، وأنا أؤمن أن للشعر صوتًا واحدًا يتراوح طيفه بين الحشرجة والسلطنة؛ فلم أستصغر عملًا قط مهما كان متواضعًا، ولم تزلزلني صورة شعرية، لأنني ما زلت موقنة بأن أجمل الصور الفنية لم تُكتب بعد، وأنها آتية حتمًا في خيال بعيد.
أما على الصعيد العام، فإنني أرى تجارب الشاعرات المصريات والعربيات اليوم أكثر ثراءً وتنوعًا من أي وقت مضى. واللافت هنا ليس مجرد زيادة الأصوات النسائية كميًا، بل اتساع مساحات التجريب واختلاف الرؤى واستخدام الموسيقى واللغة بطرق مبتكرة.
ومع ذلك، أنا لا أؤمن بوجود لغة خاصة بالمرأة ولغة خاصة بالرجل؛ فالإعراب للشعر هو للإنسان أولًا وأخيرًا. لا توجد حدود فاصلة، بل يجب على كل مبدع أن يكتب من منظوره الإنساني الذي خلقه الله عليه، دون أن تتشكل المرأة في قوالب الرجل أو تستعير ضمائره، والعكس صحيح. لا توجد محظورات جندرية في الفكر والخيال، ومؤخرًا بدأ الوعي الثقافي يتنبه لهذا التميز؛ فعندما يتحدث كل مبدع بصوته الخاص وتجربته الصادقة، تولد خصوصية النص بشكل طبيعي وعفوي، بغض النظر عن جنس الكاتب.
الرقمنة والقصيدة
في ظل التحولات الرقمية السريعة، هل ما زالت القصيدة الفصيحة قادرة على جذب القارئ المعاصر والاشتباك مع قضاياه الروحية والواقعية؟
التحولات الرقمية يمكن النظر إليها كأزمة وكحل في آن واحد، وللشاعر خيار تبني الزاوية التي تناسبه. بالنسبة لي، الرقمية هي ذاكرة إضافية، وأداة للتحقق الاستباقي، ومصدر معرفي لا غنى عنه؛ إنها واحدة من أعظم المنح لجيلنا، بمثابة قاموسنا الدائم والغزير الذي نحن صانعوه وامتداد له.
لم يكن التحول الرقمي خصمًا للشعر يومًا، بل كان وسيطًا جديدًا وفعالًا لوصوله. ورغم أنه فرض إيقاعًا سريعًا على آليات التلقي، فإنه أتاح للقصيدة العبور إلى شرائح من القراء لم يكن بإمكانها الوصول إليهم سابقًا عبر الوسائط التقليدية. والقصيدة الفصيحة ما زالت قادرة على البقاء والصمود لأنها تخاطب الثوابت في الماهية الإنسانية: الأسئلة الوجودية، والمخاوف، والحب، والحنين. قد تتغير الوسائط وتتطور، لكن الحاجة الإنسانية الجوهرية للشعر تظل ثابتة لا تتغير.
روح والدي
الجوائز تمنح المبدع دفعة قوية للأمام؛ كيف تستثمرين هذا النجاح في مشروعها الأدبي القادم؟
أشعر بامتنان بالغ لكل تقدير يناله عملي، لكن الجائزة بالنسبة لي ليست نهاية المطاف، بل هي حافز للاستمرار في الدرب. منذ ديواني الأول، وأنا أستشعر الفخر والاعتزاز بأنني لم أسعَ يومًا خلف الجوائز؛ ورغم أنها تملأ قلبي بالغبطة بلا شك، إلا أن ما يشغلني ويستحوذ على تفكيري دائمًا هو فعل الكتابة ذاته، ولحظة اكتشاف النص وولادته، وهي عندي تتقدم على أي تكريم.
أعمل حاليًا على مجموعة شعرية تحمل طابعًا شخصيًا وإنسانيًا أكثر عمقًا، وستكون مهداة بالكامل إلى روح والدي (رحمه الله). تحاول هذه المجموعة الاقتراب من أسئلة الفقد، والحياة، والموت، والذاكرة؛ وهي أسئلة فرضت حضورها الطاغي عليّ بعد رحيله، وأشعر أنها بحاجة إلى تأمل شعري أعمق وأكثر تكثيفًا.
اقرأ أيضًا:
الجبوري: هذا ما يختبئ خلف مجاز القصيدة العربية
جاد الكريم: “قمر تأكله الأيام”.. حكايات البشر بقبضة الزمن
علي: “إزاي بنرقص” حالة شعورية كرقص الطير المذبوح
نجم للشباب: اكسروا غاركم وابحثوا عن يثربكم الخاصة
