
لم يكن أحد في مدرسة الشهيد حمدي شرابي الابتدائية، تلك المدرسة الهادئة القابعة في مدينة البرلس بمحافظة كفر الشيخ، يتخيل أن الطفلة التي تجلس في الصف الخامس الابتدائي ستغادر يوماً مقعدها الخشبي لتصعد إلى أهم منصة قرائية في العالم العربي.
اسم الصبية ميار محمد رجب عثمان، لم تتجاوز الأحد عشر عاماً، لكن خطوتها الأولى بدأت كأي حكاية في المدارس الحكومية المصرية؛ تصفيات صغيرة داخل الجدران المدرسية، تلتها منافسة على مستوى الإدارة التعليمية، ثم المحافظة، وصولاً إلى تصفيات الجمهورية. حكاية طويلة ومرهقة، لكن ميار كانت تقطع مسافاتها الطويلة بصفحات كتاب.
سر التفوق
لم تكن ميارمجرد قارئة عادية تمر على السطور مرور الكرام، بل كانت ملقية بارعة تبث الروح في الكلمات. وقبل أن تطأ قدمها أرض دبي، كانت قد حصدت المركز الأول على مستوى الجمهورية في فن الإلقاء الفردي. وهذا تحديداً هو السر وراء تحدي القراءة العربي؛ فالمنصة لا تختبر كم كتاباً طالعته، وإنما تبحث عمن يفهم ما قرأ، ومن يملك القدرة على مناقشة فكرة معقدة بلغة عربية فصيحة وسليمة، وهو ما تجسد تماماً في حضور البطلة المصرية الصغيرة وسرعة بديهتها.
لحظة النصر
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً في الحفل الختامي المهيب الذي احتضنه مركز دبي التجاري العالمي، جاءت اللحظة التاريخية التي لن تنساها مصر. نادى مقدم الحفل اسم البطلة، فما كان من ميار إلا أن سجدت شكراً لله على المسرح، وانهمرت دموع الفرح والذهول من عينيها أمام الملايين. كان مشهداً إنسانياً آسراً، لخص في ثوانٍ معدودة شهوراً من السهر الشاق، والتحضير المتواصل، والدعم الدافئ من أسرة آمنت بعبقرية ابنتها، ومعلمين وفروا لها البيئة الخصبة لتبدع وتتألق.
صراع الملايين
لم تكن هذه المنافسة سهلة أبداً؛ فالنسخة العاشرة من تحدي القراءة العربي كانت استثنائية بكل المقاييس والمؤشرات. أكثر من 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة حول العالم شاركوا في التصفيات، قادمين من 138 ألف مدرسة، بزيادة بلغت 24% عن العام الماضي، وهو رقم يبعث على التفاؤل الحقيقي بمستقبل الأمة المعرفي، كما وصفه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
أما في مصر وحدهـا، فقد كانت المعركة أشرس وأعنف عددياً؛ إذ خاضت ميار التصفيات وسط 17.6 مليون طالب وطالبة يمثلون نحو 30 ألف مدرسة، وتحت إشراف أكثر من 41 ألف مشرف ومشرفة. وأن تنجح طفلة في التفوق على كل هذا الزحام المحلي، ثم تطير لتتفوق على أبطال 60 دولة، فهذا هو الإنجاز الذي يستحق وصف “الاستثنائي” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وعلى منصة التتويج، كرم الشيخ محمد بن راشد الفائزين؛ حيث وقفت ميار في المركز الأول متوجة بلقب بطلة التحدي، وإلى جوارها وقفت الطالبة الفلسطينية غزل رشاد في المركز الثاني، والطالب السعودي ريان الزكري في المركز الثالث. ولم يكن المشهد سيكتمل دون أبطال آخرين أبكوا القاعة وألهبوا الأكف، يتقدمهم الطالب السوري محمود عمران الذي انتزع لقب بطل التحدي في فئة أصحاب الهمم بعدما قرأ 25 كتاباً على الأقل، والطالب النيوزيلندي صهيب مجد بطل الجاليات، بينما نالت مدرسة سيدي عامر الابتدائية من تونس لقب المدرسة المتميزة، وحصد المشرف الأردني فخري مياس جائزة المشرف المتميز.
صناعة العباقرة
وإلى جانب المجد المعرفي، كانت الجوائز المادية قيمة ومجزية؛ نصف مليون درهم إماراتي لبطلة التحدي ميار، و100 ألف درهم للمركز الثاني، و70 ألف للمركز الثالث، و200 ألف لبطل فئة أصحاب الهمم تقديراً لتحديه الصعاب. لكن القيمة الحقيقية للمبادرة تعود لعام 2015 حين انطلقت لغرس حب القراءة، ليتعاقب على لقبها عباقرة من كل الوطن العربي، من الجزائري عبد الله فرح جلود في النسخة الأولى، مروراً بالفلسطينية عفاف الشريف والمغربية مريم أمجون، وصولاً لأبطال السودان والأردن وسوريا وقطر والإمارات وتونس.
اليوم، يضاف اسم جديد مشرق للقائمة، اسم قادم من مدرسة حكومية بسيطة في قرية ساحلية بكفر الشيخ، ليؤكد للعالم أجمع أن المدرسة العمومية المصرية لا تزال قادرة على اكتشاف وصناعة العباقرة، وأن المشروع المعرفي الأكبر في العالم العربي لا يزال يجد في مصر كنزاً لا ينضب من المواهب. ميار لم تفز بجائزة مالية فحسب، بل أعادت لمصر بأسرها الثقة واليقين بأن هناك جيلاً جديداً يقرأ، ويبني، وينافس على الصدارة.
