ثقافة وأدبسليدر

حين لا يصبح الغرق اختيارًا في “أرواح على الماء”


مشهد حزين لكنه صار مألوفًا في عالمنا اليوم، حين يغرق البشر في مراكب هجرة غير شرعية نحو الشمال؛ هؤلاء المكدّسون كبضاعةٍ بشرية مزجاة زهدها الوطن وحرمها أبسط حقوقها في الحياة والكرامة. وجوه شابة اختارت قفزة المجهول في عرض البحر مع سماسرة بلا قلب أملا في شواطيء الوعود البعيدة.

في روايته “أرواح على الماء”، والصادرة عن دار “كتوبيا” للنشر، اختار الأديب إيهاب راتب أن يضعنا في الغرق الكبير الذي يسبق الغرق المادي في البحر؛ وكأنه محصلة لصدمات مادية ونفسية واجتماعية اجتمعت على قلب هؤلاء حتى كان القرار الصعب. هكذا يعيد الأدب إنسانية الضحايا، فوراء كل منهم قصة وعائلة وأحلام!
تقوم الرواية على مشهد غرق مركب ينطلق بمئتي مهاجر محشورين داخل “الثلاجة” التي يفترض أن تخزّن فيها الأسماك لا البشر. وعبر الأبطال الأربعة “عماد” و”غريب” و”ريم” و”زياد”، ندرك ان المعاناة ليست دائمًا مادية فحسب؛ فقد يهاجر المرء هربًا من العنف أو ملاحقة الفشل أو سجن المجتمع!تجسد الرواية لحظة الغرق نفسيا مع أبطال يواجهون رعبا مضاعفا حين يتجمدون في عرض البحر وأمواجه المتلاطمة ليلا، يمسكون بأطواق النجاة، وتنهمر الذكريات الساخنة في عقل كل منهم بينما لا يرى وسط الضباب والأمواج أيا من رفاقه وكأن الغرق يضاعف مأساته بالوحدة.

يستدعي الأبطال لحظات تعود للطفولة وكأنها مخزن الدوافع السلوكية بحلوها ومرّها. مشاهد صغيرة تفتح ثقوبا في الذاكرة التي لا تموت؛ فحين تحتضن الأم ريم ابنتها ليلى وتسعى لتدفئة أوصالها لإنقاذها من الموت، تستدعي طفولتها التي لم ينقذها فيها أحد. تتذكر آلام الغيرة من أختها الأصغر والأجمل، والتنمر على بشرتها السمراء، تماما كما يستدعي غريب سخرية زملاء المدرسة من مظهره واضطراره لتعريف نفسه بأنه “ابن الصياد”، وهو ما يحدث مع عماد حين يتذكر حياة الكنيسة القاسية، وكأنها ندوب تستعصي على النسيان.

سجن النفس

“شعرت بأنني فررت من سجن لأدخل سجنا آخر”
حين نتأمل “عماد” ذلك الشاب القبطي ضخم الجسد، ليّن القلب، ندرك عمق معاناته مع مجتمع ظلّ يطارده باختلافه الديني وبضخامة جسده ولسانه المتلعثم.
تتوغل الرواية في مشاعر طفل مسيحي وهو يعاني العزلة وسط رفاقه والدهشة من اختلاف طقوسهم في الصوم والطعام والصلاة. ظل “عماد” يحلم بوطن يسع الجميع بلا تفرقة، فانهالت فوقه حملات الكراهية! وكأن الرواية تؤكد أن بنية التشدد تسود في كل الديانات، وسنرى ذلك في مشهد اجتماعه مع المطربة ياسمين التي تشدد الاب في منع زواجها ممن يعمل بالفن. ويثبت عماد هنا أن فاقد الشيء يعطيه؛ حين يفتتح استوديو تسجيلات صوتية ويثبت نجاحه بعيدا عن أعمال والده، بل ويصبح مدربا للغناء برغم تلعثم لسانه الذي يبدو نفسيا لا جسديا؛ والذي يتلاشى كلما تذكر الأستاذ رفيق مدرب الكورال الذي افتقد حضوره الروحي في حياته.

الهروب من الفشل
“لم يعد رسوبي شيئا في بيت سقط فيه كل شيء منذ زمن”
مع شخصية الشاب الصغير “زياد” نقترب من سن المراهقة وضغوط توقعات الأهل في الثانوية العامة حين تسمم حياة الأبناء، ثم ندرك كارثية غياب العدالة والاحتكام للكفاءة في شتى المجالات؛ فقد كان زياد لاعبًا موهوبا في كرة القدم ومع ذلك تم استبعاده لصالح الأقل كفاءة، تماما كما حدث مع “غريب” في الجامعة. لقد ازدادت معاناة زياد بغياب شقيقته ركن الأمان في حياته، وفشله في العمل بعد سوء أحوال الأسرة والذي ستكشف الرواية علاقته بدائرة أوسع لإغلاق المصانع واضطرار آباء لنسيان أوضاعهم الاجتماعية والعمل سائقي أوبر لكسب العيش، وما يستتبعه ذلك من أزمات أسرية. لقد كان زياد بهشاشته النفسية والضغوط حوله، فريسة سهلة لحملات إغراء الشباب بالسفر، ولو تطلب الأمر سرقة الأم، وهي اللعنة التي ظلت تلاحقه!

غريب في وطنه
“انتهى شهر العسل بيني وبين الحياة وأدارت عني وجهها من جديد”
يجسد “غريب” أبرز أبطال الرواية، نموذج المصري المكافح. صياد ابن صياد، أراد أبوه أن يعلمه في المدارس ولو تحت بند الطلاب حاملي “شهادة الفقر”. واصل غريب الليل بالنهار وابتلع مرارة شيخوخة الأب المبكرة ورحيله بالتليّف الكبدي في حالة متأخرة لأنهم لم يعرفوا طريق المستشفى من قبل ككثير من البسطاء. سنرى كيف تجسد الرواية سعيه للعمل ولو بمهن متدنية لا تناسب تفوقه وهو الحاصل على امتياز والمرتبة الأولى بين طلاب الجامعة. كيف ابتلع مرارة الفروق الطبقية وكيف فاتته قفزة العمر التي كانت ستحول الصياد لأستاذ جامعي وستقرب بينه وبين حب عمره في الجامعة، بعد حرمانه من التعيين، بسبب الفقر والوشاية ضده.
من خلال العزبة التي عاش فيها غريب نرى نموذجا لمصر قبل ثورة يناير. رفقاء غريب هما أبناء تياري السلطة المجتمعة مع المال من جهة والنفوذ الديني من جهة؛ نجل رجل ينتمي للحزب الحاكم آنذاك، يستولي على مراكب بحيرة البرلس ويحرق فلوكة غريب مصدر رزقه، أما الآخر “هشام” فهو نجل أحد قيادات التيار الديني المتسيّد الساحة والذي يوزّع الدعاية الانتخابية له مع كراتين الخير، والذين يصدقهم غريب لفترة دون انتماء إليهم لكن ذلك يجر عليه ويلات كثيرة.
تصور الرواية حال البسطاء الذين صدقوا الوعود الانتخابية؛ “انطلقت الألعاب النارية مع نجاح الثورة البيضاء وسقوط النظام السابق. وصدق أهلنا الطيبون أن الأموال ستعود وتوزع على الشعب”
لكن تأمل اوضاع العزبة وبحيرة البرلس يثبت أن الوعود الانتخابية كلها تبخرت؛ وقد تحولت لوكر للخارجين عن القانون ومأوى للوطاويط وكأنها رموز للفساد والانحلال، مع غياب صيانة المرافق وانتشار الصيد الجائر، وتجيد الرواية ربط “كريم” نجل احد الأعيان النافذين بمراكب الهجرة غير الشرعية التي سيبحر بها غريب هربا من قسوة الواقع، ثم تربطها بظواهر سادت آنذاك بدءًا من غرق العبارة السلام، وعلى متنها ألف مصري بريء، وكأن الجميع يدفعون ثمن تسيّد هذا النمط من تزاوج السلطة والمال وفتح الباب لتجار الدين ما بينهما.
هنا يصبح “غريب” هو المواطن الذي يشعر بغربته في وطنه، ولا عجب أنه يفكر بعد أن لاحت له النجاة من الغرق في أن يعيد الكرة، بعد ان تلاشى داخله معنى الوطن.

حضن مفقود
“لم اكن اعلم انني ودعت مع أبي صوت إذاعة القرآن ورائحة القهوة.. وانتظار الباب”
برعت الرواية في تجسيد ملامح معاناة النساء بشكل اجتماعي ونفسي؛ فنرى الصيدلانية ريم والتي مُمنيت بأم تشارك من يتندرون على شكلها منذ طفولتها بدلا من احتضانها، على عكس ابيها الذي كان مصدر الأمان الذي يستمع لها كل مساء. لقد عانت ريم من حياة بلا شعور بالاستحقاق للحب ولما دق فارس الأحلام بابها فوجئت بأنه يتحول لوحش يفتك بها ويتنمر عليها ويستخدم سلطته كضابط في الانتقام من أهلها إن أعلنت معصيته أو الهروب منه. هنا نرى مراحل تطور ريم التي كان قلبها يسع الجميع، إلى مجرمة سادية تنتقم بهدوء ممن قتلها بالبطيء قبل أن تسعى للهرب.
ومن أهم الملامح في الرواية، هي حالة العجز التي تنتقل من المعنى الجسدي للمعنى العام. فتكتشف ريم في عملها الهوس المجتمعي بمستحضرات التجميل والمنشطات الجنسية، وهنا يقول صاحب الصيدلية: “هؤلاء بحاجة لعلاج نفسي يعيد إليهم ثقتهم بقدرتهم في الحياة ككل. إنهم عاجزون عن تغيير واقعهم ويبحثون عن أي نصر ولو على الفراش”.

مفتاح الأمان
تتضارب صورة الأم في الرواية مع ما اعتدناه؛ فبينما كانت أم ريم متنمرة عليهان كانت أم “عماد” حنون لكنها تمتلك سطوة تحكم دينية وكأنها تمسك بمفاتيح الجنة، وقد فشلت في تفهّم معاناته مع مدرس الكورال الكنسي المتحرش جنسيا، وظلت تحذر ابنها من أن يسمع كلام الشرير حين يلطخ صورة معلمه أمامه!!
كانت أم غريب السيدة الفلاحة البسيطة هي الوحيدة في الرواية التي تمثل النقاء والحنو على ولدها وعلى زوجها الراحل حتى في قبره؛ لذا لم يكن مستغربا أن يسعى للهجرة للأبد بعد أن رحلت وهو بعيد عنها، وقد تحولت غربته لمعنى أعمق.

حبل النجاة
هل يستحقون الموت لأنهم رفضوا الموت البطيء في أوطانهم ؟
جاء سرد الرواية بلغة جزلة وقاموس أقرب لروح العصر، وإيقاع نفسي بطيئ، ومشهد رئيسي يربط الخيوط جميعا هو الإشراف على الغرق؛ حيث نرى كيف يتذكر زياد خطيئته ويندم، وتحتضن ريم ابنتها وكانها تحتضن نفسها، ويتذكر عماد رفاقه وكأنه أخ اكبر لهم ويتمتم بأسماء الله “القوي القدوس”، أما غريب فيناجي ربه وينظر للبحر الذي لم يخذله يوما وظل ملاذه في وجه العواصف.
تضعنا مركب “عروس البحر” في مناقضة كبرى مع حقيقتها كثلاجة لتخزين البشر ثم تسليمهم للبحر وقسوته حيث لا تهتم بحياتهم دول حقوق الإنسان البيضاء؛ فلا طائرات ولا فرق إنقاذ تنقذهم من أن يتحولوا للقمة سائغة لأسماك القرش. ونظل نتأمل كيف يسدل الستار على الحكايات في جوف البحر، وكيف يعلق البعض بخيط النجاة الرفيع، نجاة الناس والأوطان، ولهم يهدي الكاتب روايته “لكل قلب ينبت بالأمل رغم عتمة الحياة”.

اقرأ أيضا: 

رواية “كما فوق كما تحت”.. نداء من أعماق الكون

عمرو دنقل: أبطالي أبناء واقع مضطرب وأكتب بعيونهم

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23826

موضوعات ذات صلة

محمود طاحون : أحمد العوضي حريص على قيم المجتمع

أحمد عاشور

يوم القر وبداية التشريق في رحلة الأشواق

أيمن مصطفى

مواجهة التنمر.. دليل عملي للآباء

المحرر

تفاهمات خفية تكبح نار سوريا

ضاحى محمود

محافظ أسيوط يتفقد “مأوى للكلاب الضالة” بالمطار

أحمد الفاروقى

محمد صلاح.. حينما تسجل “الإنسانية” أجمل أهداف العمر

أيمن مصطفى