سليدرمنوعات

عاصمة لا تغيب

حين تمرّ بالشارع الأعظم في قلب القاهرة الفاطمية، لا تطأ قدماك مجرد أحجار صماء، بل تعبر فوق طبقات متراكمة من التاريخ الإنساني، وتستنشق عبير حضارات تعاقبت على هذه البقعة الفريدة من العالم.

في السادس من يوليو من كل عام، ترتدي العاصمة المصرية ثوب بهائها، محتفلة بعيدها القومي الذي يوثق لحظة فارقة في عمر الزمن؛ لحظة أن وضع القائد الفاطمي جوهر الصقلي حجر الأساس لمدينة كُتب لها ألا تموت، لتتم عامها السابع والخمسين بعد الألف من الصمود، والابتكار، والريادة.

إن القاهرة ليست مجرد عاصمة أو تجمع سكاني ضخم، بل هي “مفهوم” فلسفي وتاريخي، تشكّل عبر القرون ليمثل قلب الأمة العربية والإسلامية النابض، وحلقة الوصل الأبدية بين الشرق والغرب، حيث يعيدنا السادس من يوليو إلى عام 969 ميلادية، وتحديداً إلى ليلة السابع عشر من شعبان لعام 358 هجرية، حين كان القائد جوهر الصقلي يخط حدود المدينة الجديدة شمال الفسطاط بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله.

تقول الروايات التاريخية إن المنجمين وضعوا حبالاً بها جلاجل ليعطوا إشارة البدء بالبناء فور ظهور طالع سعيد، لكن غراباً وقف على الحبال فدقت الأجراس قبل الموعد، وكان الكوكب الطالع في تلك اللحظة هو كوكب المريخ، المعروف عند العرب بـ”القاهر”. ورغم أن النية كانت تتجه لتسميتها “المنصورية”، إلا أن الخليفة المعز قرر تسميتها “القاهرة” تفاؤلاً واعتزازاً، لتكون قاهرة لأعدائها وجامعة لشتات أمتها، لينقل إليها لاحقاً مركز الخلافة الفاطمية من المغرب إلى قلب مصر، مديراً بوصلة التاريخ نحو شرق المتوسط.

تتميز القاهرة عن بقية عواصم العالم بأنها متحف مفتوح يختزل التاريخ الإسلامي بشتى عصوره في نسيج عمراني متصل؛ فما إن تخرج من عباءة القاهرة الفاطمية بأسوارها وأبوابها الشهيرة كباب زويلة وباب الفتوح، حتى تلتقي بالقاهرة الأيوبية المتمثلة في قلعة الجبل التي وقفت حائلاً دون انكسار الشرق أمام الحملات الخارجية، لتسلم الراية بعد ذلك للقاهرة المملوكية التي زينت جغرافيا العاصمة بالعصر الذهبي للعمارة الإسلامية من خلال مساجد ومدارس فريدة كمجمع السلطان حسن ومجموعة قلاوون، وصولاً إلى مطلع العصر الحديث حين أهدى الخديوي إسماعيل العاصمة وجهها الأوروبي الكلاسيكي في منطقة وسط البلد، لتتحول المدينة إلى لوحة كوزموبوليتانية تجمع أصالة الشرق وحداثة الغرب وتستحق لقب “باريس الشرق”.

العصر الحديث

ومع بزوغ فجر الدولة المصرية الحديثة على يد محمد علي باشا، شهدت القاهرة تحولاً جذرياً نقلها من النمط القروسطي إلى آفاق العصرنة؛ فقد أدرك الباشا الأهمية الاستراتيجية للمدينة، فشرع في تنظيم شوارعها وإنشاء الدواوين والمصانع والمستشفيات، متوجاً مشروعه الطموح ببناء مسجده المرمري الشهير داخل القلعة، ليصبح شاهداً بارزاً يعانق سماء العاصمة ويدشن مرحلة جديدة من عمرها السياسي والمعماري؛ أخرجت المدينة من عزلتها السابقة إلى مشهد التأثير الإقليمي والدولي.

واستمرت مسيرة التحديث العمراني والاجتماعي مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، حيث تحولت القاهرة إلى عاصمة الفن والثقافة الإقليمية؛ فقد تأسست فيها كبريات المؤسسات الثقافية والاجتماعية، وشهدت ميادينها وشوارعها ولادة الحركة الوطنية المصرية الحديثة وثورة 1919، واحتضنت جامعتها العريقة (جامعة القاهرة) نوابغ الفكر والعلم، مما جعل المدينة مركز الثقل الذي يصيغ الوعي العربي ويوجه دفة الأحداث السياسية في المنطقة بأسرها.

وفي أعقاب ثورة يوليو 1952، تمددت القاهرة الحديثة جغرافياً وديموغرافياً لتعبر عن طموحات الدولة الوطنية وتطلعات الطبقة الوسطى؛ فظهرت أحياء جديدة كلياً مثل مدينة نصر والمهندسين، وشُيدت معالم حديثة ترمز للسيادة والاستقلال وفي مقدمتها برج القاهرة ومبنى التلفزيون العريق (ماسبيرو). ولم تعد العاصمة مجرد مركز للحكم، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لاستيعاب الملايين من أبناء الوطن، منخرطة في حركة تصنيع وبناء كبرى صبغت هويتها المعاصرة بروح شعبية نابضة بالحيوية والتحدي.

الطفرة الأخيرة

وخلال السنوات العشر الماضية، خاضت القاهرة معركة كبرى لإعادة صياغة جغرافيتها وتخليص جسدها العتيق من الاختناق المروري والعشوائيات التي حاصرتها لعقود، حيث شهدت العاصمة ثورة غير مسبوقة في مجال البنية التحتية والمحاور والطرق والكباري العملاقة التي ربطت شرق المدينة بغربها وشمالها بجنوبها في دقائق معدودة، جنباً إلى جنب مع إطلاق وسائل النقل الذكي المستدام مثل المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف، مما أعاد السيولة المرورية المفقودة لشرايين العاصمة، وحولها من مدينة مغلقة تعاني التكدس إلى مركز لوجستي عالمي منفتح على المستقبل. ولم تقتصر هذه الطفرة على تيسير الحركة، بل امتدت يد التطوير لتنفيذ أضخم مشروع إنساني واجتماعي لإنهاء ملف العشوائيات والمناطق غير الآمنة التي كانت تشوه وجه العاصمة الإنساني والمعماري. وقد تجلت هذه الصحوة الجريئة في إزالة بؤر تاريخية من الإهمال ونقل سكانها إلى مجتمعات عمرانية حضارية متكاملة الخدمات تضمن كرامة المواطن المصري مثل مشروعات الأسمرات وروضة السيدة وتطوير منطقة تل العقارب، لتسترد القاهرة وجهها الإنساني المشرق وتبرهن على أن التنمية الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان وإعادة البريق إلى البيئة المحيطة به. وبالتوازي مع هذا الإنجاز الاجتماعي، حظي الجانب الجمالي والسياحي بنصيب الأسد عبر مشروعات مبهرة لعل أبرزها تدشين ممشى أهل مصر على ضفاف النيل الخالد ليكون متنفساً حضارياً للمواطنين، فضلاً عن التطوير الشامل لبحيرة عين الصيرة ومحيط المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط والذي توج بالحدث الأسطوري لموكب المومياوات الملكية.

هذا العقد الأخير لم يكن مجرد مرحلة بناء عادية، بل كان إعادة اكتشاف حقيقية لهوية القاهرة، حيث تضافرت فيها مشروعات إحياء التراث مع العصرنة لتقدم للعالم نموذجاً ملهماً في كيفية إنقاذ العواصم التاريخية الكبرى وتأهيلها للمستقبل.

منارة التنوير

لا يمكن الحديث عن القاهرة دون الالتفات إلى دورها كمشعل للتنوير، فبعد عام واحد من تأسيس المدينة، وُضع حجر الأساس للجامع الأزهر في عام 970م ليتحول سريعاً من دور العبادة إلى جامعة علمية عالمية، قادت الفكر الإسلامي المعتدل وحافظت على الهوية العربية واللغة الضادية في أحلك الظروف السياسية؛ فالقاهرة هي المدينة التي احتضنت عبقرية نجيب محفوظ، فصاغ من حاراتها “الثلاثية” ونال بها العالمية، وهي التي ألهمت ريشة حسين بيكار وصوت أم كلثوم وأشعار أحمد شوقي، حيث إن القوة الناعمة للعاصمة لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل هي نتاج حوار مستمر بين النيل الخالد والإنسان المصري الفذ الذي صهر كل الثقافات الوافدة ليعيد إنتاجها بصبغة قاهرية خالصـة.

التحدي الراهن

وفي ذكرى تأسيسها اليوم، تعيش القاهرة تحولاً هيكلياً يدمج بين إحياء التراث في قلبها التاريخي وبين تدشين العاصمة الإدارية الجديدة، مما يخفف العبء عن المدينة القديمة ويضمن استدامة دورها كمركز ثقل إقليمي، حيث تشهد المدينة حالياً ثورة عمرانية مزدوجة تسعى لتطوير المناطق التراثية وتأهيلها كمنطقة “سور مجرى العيون” والفسطاط ومحيط مسار آل البيت لإعادة البريق التراثي للممشى التاريخي، بالتوازي مع التوسع الذكي لتبدأ العاصمة قرناً جديداً من عمرها بثوب مستدام يحفظ الماضي ويستوعب المستقبل؛ لتظل القاهرة هي العاصمة الدستورية والتاريخية الثابتة للبلاد بينما تتكامل معها المدن الجديدة كأذرع تنموية وإدارية حديثة.

الرؤية الرسمية

وفي سياق هذه الاحتفالات والمكتسبات الراهنة، جاءت تصريحات د. إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، لتؤكد حجم الإنجاز، حيث شدد على وجود تكليفات رئاسية مباشرة من القيادة السياسية باستمرار وتيرة العمل لتغيير وجه العاصمة واستعادة هويتها التاريخية والحضارية بما يليق بمكانتها العالمية. موضحاً أن جهود الدولة لا تتوقف عند إحياء المعالم الأثرية والترميم بل تمتد إلى الارتقاء الحضري بالمناطق غير المخططة بدعم من الشركاء الدوليين كالاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع تحريك عجلة التنمية الاقتصادية المحلية عبر ضخ نحو أربعة مليارات ونصف المليار جنيه منذ عام 2014 لدعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر للشباب القاهري. واختتم صابر رؤيته بالاعتزاز بانضمام العاصمة لشبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم، مشيراً إلى أن القاهرة المعاصرة تمزج بكفاءة بين الحفاظ الإنساني على التراث والابتكار المستدام لتحقيق رؤية مصر المستقبلية.

حاضرة الدنيا

وأمام هذه الطفرات التاريخية والرسمية والشعبية، نجدد اعتزازنا بهذه المدينة التي قال عنها المؤرخ ابن خلدون حين زارها: “من لم يرَ القاهرة لم يرَ عز الإسلام، فهي حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم”. وستبقى القاهرة، بألف مئذنة ومئذنة، وبشوارعها النابضة بالحياة ليلاً ونهاراً، وبطيبة أهلها وسخريتهم المحببة وقت الأزمات، رمزاً للصمود الإنساني. إنها المدينة التي هُزم على أبوابها التتار، وتكسرت تحت أسوارها أوهام الغزاة، وظلت دائماً وأبداً منبعاً للحضارة والتنوير. تحية للقاهرة في عيدها، ولتدم عاصمتنا منارة تضيء دروب التاريخ ومستقبل الأجيال.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21818

موضوعات ذات صلة

إن غاب القط أحدث اعمال آسر ياسين

مجزر فاقوس المطور بالشرقية

أيمن مصطفى

الذكاء الاصطناعي أحد أدوات الترويج السياحي بمصر

المحرر

نقيب الصحفيين يُدين انتهاك خصوصية الفيشاوي في عزاء والدته

أربعة أسرار لخلق بيئة عمل تجذب جيل زد

ولاء فتحي

التوك توك.. فوضى على عجلات

أيمن مصطفى