دين ودنياسليدر

عالم أزهري يفكك مغالطات عقود الزواج المستحدثة

الشيخ مصطفى شلبي الأزهري

تصدرت قضايا الزواج والأحوال الشخصية وضوابط الارتباط عبر المحادثات الرقمية صدارة المشهد الدعوي والاجتماعي في الآونة الأخيرة، خاصة مع بروز أنماط مستحدثة من العقود التي تثير لغطاً فقهياً واسعاً. وفي هذا الصدد، فتحت  “صوت البلد” ملف الأسرة وضوابطها الشرعية مع أحد أبرز علماء الأزهر الشريف، فضيلة الشيخ مصطفى شلبي الأزهري، الذي وضع النقاط فوق الحروف بشأن شروط النكاح الصحيح، وتفنيد أوهام المنصات الرقمية، كاشفاً الأبعاد الفقهية والاجتماعية وحكم التشريع الإسلامي في بناء الأسرة ومواجهة موجات التغريب والعبث المعاصر.

ميثاق غليظ

استهل فضيلة الشيخ مصطفى شلبي الأزهري حديثه بتأصيل النظرة الإسلامية لعقد النكاح، مؤكداً أن الله عز وجل جعل الزواج ميثاقاً غليظاً وأسند إليه بناء الأسرة التي تمثل اللبنة الأولى والأساسية في صيانة المجتمع واستقراره، موضحاً فضيلته أن الشريعة الغراء لم تدع هذا الرباط كعلاقة عابرة أو ارتباط مؤقت تحكمه الأهواء المتقلبة والرغبات اللحظية، بل أحاطته بسياج من الضوابط الواضحة والضمانات الأكيدة التي تحفظ الحقوق، وتصون الأعراض، وتحمي الأنساب من الاختلاط، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. ومن هذا المنطلق، يرى الأزهري أن أي تفريط في أركان هذا العقد يمثل هدمًا لمقاصد الدين.

أركان الزواج

وفي تشريحه للمنظومة الفقهية التي تضمن صحة هذا الميثاق، شدد الداعية الإسلامي على أن جمهور الفقهاء اتفقوا على عدم انعقاد الزواج إلا بتوافر أركان وشروط قطعية لا تقبل التهاون. وحصر فضيلته هذه المحددات في نقاط حاسمة تشمل: تعيين الزوجين تفادياً للجهالة، ورضا الطرفين الكامل دون إكراه، ووجود الولي في نكاح المرأة كضمانة اجتماعية، مع اشتراط الإيجاب والقبول في مجلس واحد، وحضور شاهدين عدلين، وخلو الزوجين تماماً من الموانع الشرعية، شريطة ألا يكون العقد مؤقتاً بزمن معين.

ودعم فضيلته هذا التأصيل بما رواه النبي ﷺ: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، وقوله الحاسم: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل»، مما يقطع الطريق أمام أي محاولة للالتفاف على أصول الشريعة.

عقود افتراضية

وحول ما استجد في العصر الحالي من صيحات تكنولوجية، توقف الشيخ مصطفى شلبي عند مسألة الزواج عبر الإنترنت أو الهاتف وما يُعرف بـ”الزواج أون لاين”. مشيراً إلى أن العقود وإن كانت لا تُبنى على مجرد الوسيلة بل على تحقق مقاصدها، إلا أن الصور المنتشرة اليوم عبر التطبيقات الذكية والمكالمات الهاتفية تفتقر للتحقق التام، وتظل مرفوضة شرعاً لما يكتنفها من مخاطر جمة. وفصّل الأزهري هذه المفاسد في سهولة تزوير الهويات وانتحال الشخصيات، واحتمالية انقطاع البث الرقمي أو اضطرابه أثناء إبرام العقد، وعجز الأطراف عن التثبت اليقيني من هوية الحاضرين، مما يفتح باباً واسعاً للغش والخداع، ويؤدي حتماً لضياع الحقوق عند النزاع. وخلص إلى أن الإجراء الشرعي والمأمون يتطلب توثيق العقد رسمياً بحضور مادي لأطرافه وفق الأنظمة القانونية.

مجلس العقد

وفي سياق متصل، حذر الشيخ مصطفى شلبي من بطلان الزواج عبر المكالمات الجماعية التي يتوزع فيها الأطراف في بلدان ومدن متباعدة، كأن يكون الزوج في مدينة، والزوجة في ثانية، والولي والشهود في أماكن مستقلة. وأكد فضيلته لـ”صوت البلد” أن هذه الصورة العشوائية لا تحقق المقصود الشرعي من “اتحاد مجلس العقد” على الوجه الفقهي الصحيح الذي يرفع الشك ويمنع النزاع. واعتبر أن تشتت الأطراف جغرافياً عبر شاشات الهاتف يحيط المعاملة باحتمالات هائلة من التلاعب والتدليس الرقمي، وهو ما لا يتناسب مع جلالة عقد النكاح؛ لذا يرى حرمة الإقدام على هذه الخطوة، ووجوب استيفاء الضمانات الشرعية والنظامية في مجلس حقيقي يجمع أركان العقد لتوثيقه قانونياً.

أنماط عرفية

وعند تطرقه لملف “الزواج العرفي”، أوضح الشيخ مصطفى شلبي أن هذا المصطلح لا يحمل حكماً فقهياً واحداً، بل ينقسم إلى نوعين متباينين تباين السماء والأرض. النوع الأول يتلخص في عقد استوفى كافة الأركان والشروط الشرعية من ولي وشهود وصداق ورضا، لكنه لم يوثق رسمياً في الدوائر الحكومية؛ مؤكداً أنه صحيح من حيث الأصل الفقهي، لكنه يعد مخالفاً للأنظمة والتشريعات إذا أدى لضياع حقوق المرأة والأبناء، وبالتالي تجب المسارعة لتوثيقه.

أما النوع الثاني، وهو الأخطر والمنتشر للأسف بين بعض الشباب والفتيات، فيتم في السر بلا ولي ولا شهود، وحسم الأزهري حكمه بأنه عقد باطل وفاسد شرعاً لخلوه من شروط الانعقاد، ولا تترتب عليه أي آثار شرعية، مستشهداً بحديث المصطفى ﷺ: «لا نكاح إلا بولي».

حكم التعدد

وانتقل حوارنا مع عالم الأزهر الشريف إلى القضية المثيرة للجدل دائمًا، وهي “تعدد الزوجات”. واستهل تعليقه ببيان أن الإسلام لم يبتدع التعدد ولم يبتكره، بل وجده في الجاهلية نظاماً مطلقاً بلا ضوابط فجاء وقيده بالعدل الصارم، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، فجعل الأصل والشرط هو العدل، ومن عجز عنه حرم عليه التعدد تلافياً للظلم.

وسرد فضيلته ست حكم تشريعية كبرى للتعدد، تضمنت علاج مشكلة زيادة عدد النساء في بعض المجتمعات جراء الحروب، ورعاية الأرامل والمطلقات وكفالة أبنائهن، وعلاج العقم حال رغبة الزوج في الذرية دون ظلم الأولى بالطلاق، ومراعاة اختلاف القدرة الإنجابية بين الجنسين، إلى جانب حفظ المجتمع من الفواحش وصيانة الأسرة بإبقاء الأولى مكرمة مع ضم أخرى بحقوقها الكاملة.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23270

موضوعات ذات صلة

سطوة التريند ومسؤولية الوعي: الصحافة في اختبارها الأصعب

سارة الدسوقى

قرار نهائي.. الزمالك يُغلق باب عروض خوان بيزيرا

محمود المهدي

سامح التوني: لاعبون يُحرمون من التموين بسبب دخلهم

محمد عطا

ليالي سان دوني.. المنفى والبحث عن بيت يدوم

أسماء قدري

أحمد السقا يفاجئ جمهوره بوجه كوميدي جديد في السينما

أزمة أرض أكتوبر تعجل باستقالة مجلس إدارة الزمالك

محمود المهدي