
الصورة لا تكذب. تحت كتلة خرسانية ضخمة يفترض أن تكون ممراً آمناً للمشاة، تحولت المساحة العامة إلى مقهى مفتوح بلا سقف ولا ترخيص. عشرات الكراسي البلاستيكية، طاولات متناثرة بلا نظام، ودخان شيشة يملأ المكان. هذا ليس كافيه سياحي، هذا هو الرصيف أسفل كوبري الساعة، في قلب شارع الجلاء، بنطاق حي المنتزه أول بالإسكندرية.
زحام خانق
تبدأ الحكاية من الساعة الخامسة عصراً. موظفون عائدون، طلاب، أمهات يحملن أكياس السوق، الجميع يحاول عبور الشارع الأكثر ازدحاماً في شرق الإسكندرية. لكن الرصيف، الذي هو حق أصيل للمشاة، اختفى. احتلته المقاهي من جهة، وبسطات الباعة الجائلين من جهة أخرى، والمحال التي مدت بضاعتها لنصف الأسفلت.
المشهد يتكرر كل دقيقة، كبار السن يتعثرون، وذوو الاحتياجات الخاصة لا يجدون متراً واحداً للعبور. تقول سيدة خمسينية بحسرة وهي تحاول المرور: “بضطر أنزل أمشي في نص الشارع بين العربيات والتكاتك، وأنا شايلة ابني، الرصيف كله قهاوي”.
رصيف مستباح
ما يحدث أسفل كوبري الساعة ليس مجرد مخالفة عابرة، بل هو استيلاء منظم على المال العام. المقاهي هنا لا تكتفي بطاولتين، بل تفترش 30 و40 طاولة، تمد وصلات الكهرباء من الأعمدة، وتضع سماعات ضخمة. الزبائن يجلسون بمنتهى الراحة، بينما المارة يزاحمون السيارات.
المحال التجارية على الجانبين فعلت المثل. محل ملابس علق بضاعته على عامود الكوبري، وآخر للخضار احتل الرصيف بصناديق، وبائع متجول نصب فرشة في المنتصف تماماً. الرصيف، الذي أنفقت عليه الدولة ملايين لتطويره ببلاط سداسي، أصبح صالة عرض مجانية للمخالفين.
المفارقة الصارخة أن هذه المساحة أسفل كوبري الساعة، كان يفترض أن تكون متنفساً أو موقفاً منظماً أو ممشى حضارياً بعد تطوير منطقة الساعة، لكنها تحولت إلى منطقة عشوائية بقلب منطقة حيوية. الأعمدة الخرسانية التي تحمل الكوبري تحولت إلى جدران خلفية للمقاهي، ملصقات ممزقة، وأسلاك متدلية تشكل خطراً حقيقياً.
الأهالي يؤكدون أن المشهد يتضاعف ليلاً. الكراسي تمتد حتى شارع الجلاء نفسه، والشيشة تصبح هي العنوان، والضوضاء لا تتوقف حتى الثانية صباحاً. يقول أحد سكان العقارات المطلة: “احنا مش عارفين نقعد في بيوتنا من الدوشة، ولا عارفين نمشي في الشارع من الزحمة.
أهالي تستغيث
سكان المنطقة ورواد شارع الجلاء وجهوا استغاثات متكررة لحي المنتزه أول. الشكوى واحدة: الإشغالات تقتل الشارع. شارع الجلاء هو الشريان الذي يربط فيكتوريا بالساعة وصولاً للعوايد، وأي إغلاق فيه يعني شللاً مرورياً كاملاً. ومع احتلال الأرصفة، يضطر المشاة للنزول للأسفلت، فيتوقف المرور، وتتكدس السيارات، وتعلو أبواقها، وتدخل المنطقة في حلقة مفرغة من الفوضى.
تاجر ملتزم دفع ترخيصاً ويدفع ضرائب، وجد نفسه محاصراً ببائع جائل يبيع نفس بضاعته بلا أي أعباء أمام محله مباشرة. “فين العدل؟ أنا ملتزم والقانون مش بيحميني، والمخالف هو اللي كسبان”، هكذا لخص معاناته.
مسؤولية غائبة
حملات الإزالة التي يشنها حي المنتزه أول، تأتي وتذهب، لكن الأثر لا يبقى. بعد ساعات من انصراف الحملة، تعود الكراسي والطاولات كما كانت، وكأن شيئاً لم يكن. الأهالي يتساءلون: أين المتابعة؟ أين الغرامات الرادعة؟ أين تطبيق القانون رقم 33 لسنة 2021 بشأن الإشغالات؟
ترك الإشغالات بهذا الشكل لا يضر بالمظهر الحضاري فقط، بل يهدد الأرواح. المشي في نهر الطريق وسط التكاتك والميكروباصات المسرعة في منطقة الساعة خطر مميت، ووقوع حادث مسألة وقت فقط.
حلول مطلوبة
أهالي المنتزه أول لا يطلبون المستحيل. يطلبون رصيفاً يمشون عليه. يطالبون بحملة مكبرة ومستمرة، ليس لمرة واحدة، مع تثبيت نقطة متابعة أسفل كوبري الساعة، وتغريم المقاهي المخالفة وإغلاقها إدارياً في حال التكرار، وإعادة تخطيط المساحة أسفل الكوبري لتكون موقفاً حضارياً أو حديقة صغيرة تخدم الأهالي بدلاً من كونها أكبر مقهى عشوائي في شرق الإسكندرية.
شارع الجلاء يستغيث، وكوبري الساعة يئن من تحته، فهل يستجيب حي المنتزه أول قبل أن يتحول الرصيف بالكامل إلى مقهى؟
