
صدر العدد الجديد من مجلة “المسرح”، ليقدم وجبة فكرية ونقدية دسمة تهم كل صناع وعشاق الفنون الخشبة في مصر والعالم العربي، حيث جاء الإصدار حافلاً بالملفات التوثيقية والدراسات النقدية المقارنة، التي تسلط الضوء على أبرز التحولات التي شهدتها الحركة المسرحية على مدار العقود الأخيرة.
وتضمن الإصدار قراءات تفكيكية لعروض معاصرة، ومتابعات دقيقة للمهرجانات الكبرى، فضلاً عن النوافذ المفتوحة على المسرح العالمي والمترجم، مما يجعله مرجعاً حيوياً للباحثين والنقاد والممارسين للمهنة في الوطن العربي والمهتمين بملفات التوثيق الفني المتكامل.
تحولات التجريب
وفي هذا العدد الجديد، يفتتح الكاتب أحمد محمد الشريف ملف التجريب من خلال دراسة موسعة يوثق فيها تحولات التجريب ومساراته في العروض المصرية. ويركز الشريف في رصده على علاقة العرض بالنص، والآليات المعاصرة في التعامل مع التراث، وتوظيف جسد الممثل، وإعادة تشكيل الفضاء المسرحي، ما يعكس تطور الأدوات الإخراجية والسينوغرافية في المسرح المصري المعاصر وقدرتها على مواكبة المدارس العالمية.
المسرح التجريبي نال نصيباً وافراً من التحليل والتوثيق في هذا العدد؛ حيث استعرض د. كمال يونس أبرز الإيجابيات والملاحظات التي تحققت لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. وقد جاء هذا الرصد من خلال قراءة فاحصة لما قدمته قيادات المهرجان المتعاقبة على مدى ثلاثة عقود كاملة، محاكماً المنجز الفني والتنظيمي، ومستعرضاً كيف ساهم المهرجان في نقل الخبرات الدولية إلى المسرحيين المصريين، ومعيداً صياغة التحديات الحالية والمستقبلية التي تواجه هذا الحدث الفني الدولي البارز في مسيرته الطويلة التي أثرت المشهد الفني العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة.
المهرجان القومي للمسرح
العروض المسرحية المحلية تصدرت المشهد الأدبي والنقدي بالعدد الجديد، حيث أفردت المجلة ملفاً خاصاً وشاملاً عن المهرجان القومي للمسرح المصري. وتحت عنوان “لمن تقدم عروض المهرجان”، كتب الناقد طارق حسن مقالاً نقدياً ركز فيه على الجوانب التنظيمية والإعلامية، متناولاً أزمة أماكن العروض ومشاكل حجز المقاعد التي واجهت الجمهور، ومقدماً ملاحظات تطبيقية حول أربعة عروض مسرحية شاركت في هذه الدورة. وتحت عنوان “البحث عن الإنسان والمعنى”، قدمت د. وفاء كمالو قراءة تحليلية مغايرة لعروض المهرجان، مبرزة الأبعاد الإنسانية والفلسفية التي حملتها النصوص الممسرحة ومناقشة تفاعل الجماهير العريضة مع تلك العروض في سياقها الفني المتطور.
النقد المسرحي يتجلى في أبهى صوره من خلال مساهمات أكاديمية رفيعة المستوى؛ إذ تقدم د. أمينة سالم قراءة متميزة في تحولات التجربة من خلال رصد حوار المسرح مع ذاكرته الخصبة. وفي إطار الاهتمام بالصورة البصرية، يرصد الباحث حسن عبد الهادي تأثير السينوغرافيا في العروض التي شاركت بها الهيئة العامة لقصور الثقافة؛ إذ تتكامل هذه الرؤية مع ما كتبته د. إنجي عبد المنعم حول السينوغرافيا بين الوظيفة الدرامية والقيمة التشكيلية، بينما تبحر د. سناء الجمل في الجذور الفكرية عبر مقالها عن المسرح وفلسفة المأساة وتجلياتها المعاصرة التي تبحث في عمق الفلسفة الإنسانية وتأثيرها المباشر على بنية النص المكتوب والعرض المسرحي الحي.
وحظيت العروض المسرحية الحديثة بمتابعات نقدية متخصصة من جيل الشباب؛ فكتبت نور الهدى عبد المنعم عن عرض “سما”، وتناولت نهلة إيهاب بالتحليل عرض “سجن اختياري”، بينما قدمت نسرين نور قراءة تفكيكية لعرض “تياترو”. وامتدت التغطية إلى المحافظات، حيث كتبت أمينة الزعبي عن تقديم عرض “الملك لير” في مدينة الإسكندرية، وقدم الكاتب محمد محمد مستجاب قراءة نقدية مميزة لمسرحية “رحلة العائلة المقدسة”، مستعرضاً قيمتها التاريخية والدينية والدرامية الكبيرة وتأثيرها الثقافي على المتلقي.
التاريخ الفني
كتب د. صالح سليمان عبد العظيم عن القاهرة كفضاء درامي لبعض العروض المسرحية، متناولاً جغرافية العاصمة وتأثيرها على البنية الدرامية وتشكيل الوعي الفني لدى المبدعين. وعاد الكاتب عيد عبد الحليم إلى الجذور بكتابته عن تجارب رائدة في المسرح الاحتفالي، بينما وثق محمود قنديل مسيرة سيدة المسرح العربي سميحة أيوب، وكتب سمير الجمل عن الكاتبة الراحلة أمينة الصاوي. وفي زاوية مغايرة، تناولت منال الشرقاوي عودة المونودراما إلى قلب المسرح العالمي كظاهرة إنتاجية وفنية لافتة استطاعت أن تجذب انتباه المهرجانات وصناع الفن في مختلف العواصم الثقافية مؤخراً.
المسرح العالمي
يملأ هذا المحور ركيزة أساسية في هوية التنوير التي تتبناها المجلة؛ حيث يكتب د. إبراهيم حامد عبد اللا عن المسرح الألماني المعاصر وتياراته الجديدة. وفي باب الترجمة، يقدم المترجم محمد عبد الهادي ترجمة حصرية لكتاب “الحساسية الموسيقية في مسرح ما بعد الدراما”، بينما يقدم عبد السلام إبراهيم ترجمة لدراسة نقدية هامة عن مسرحية “كلهم أبنائي” للكاتب الأمريكي الشهير آرثر ميللر، مما يتيح للقارئ العربي الاطلاع على أحدث المناهج النقدية الغربية وتحليل كلاسيكيات الدراما العالمية برؤية معاصرة ومستنيرة تفيد الباحث الأكاديمي والمخرج الممارس على حد سواء في رصد المدارس الغربية.
أما التوثيق المسرحي؛ فيختتم صفحات هذا العدد الثري عبر سلاسل ومقالات تاريخية ممتازة؛ حيث يقدم الكاتب ناصر العزبي الحلقة الثالثة من سلسلة “المسرح في مصر القديمة” تحت عنوان “دهشة الاكتشاف وبناء الرؤية”، مستكشفاً الجذور الفرعونية للأداء الدرامي. ويكتب د. حيدر علي الأسدي عن الكاتب الألماني إرنست توللر وعلاقة المسرح بالحركة العمالية. وفي الختام، يواصل د. سيد علي إسماعيل رحلته التوثيقية الفريدة بتقديم الحلقة الثانية من توثيق أيام رائد المسرح العربي زكي طليمات في الكويت، ليكتمل بذلك عقد عدد استثنائي يجمع بين عراقة الماضي وحيوية الحاضر في طيات إصدار واحد متميز.
