
تفرض التحديات المناخية المعاصرة واقعًا يتطلب تنسيقًا تنفيذيًا وعلميًا لحماية المدن الساحلية، حيث يبرز ملف حماية السواحل بمحافظة الإسكندرية كركيزة أساسية للحفاظ على بنيتها التحتية وهويتها العمرانية والسياحية.
وفي هذا الإطار، يتكامل الجهد المشترك بين وزارة الموارد المائية والري، ومحافظة الإسكندرية، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري؛ لتحويل الخطط الهندسية إلى مشروعات ملموسة لحماية عروس المتوسط وتأهيل شواطئها بالكامل قبل حلول فصل الصيف المقبل.
المشروعات الجارية
تتسارع وتيرة العمل ميدانياً لإنهاء الأعمال الإنشائية والتمهيدية اللازمة لاستقبال موسم الذروة السياحي، حيث تتصدر هذه الجهود خطة “استعادة شواطئ الإسكندرية” التي تحظى بمتابعة دورية لتوفير الدعم اللوجستي للشركات المنفذة. ويتزامن ذلك مع استكمال المرحلة الأولى من مشروع حماية الساحل الممتد من منطقة بئر مسعود حتى المحروسة بطول 2 كيلومتر، بالإضافة إلى تدشين المرحلة الثانية بطول 600 متر لتأمين سور وطريق الكورنيش بمنطقة لوران وإعادة شاطئها الرملي. وتتكامل هذه الأعمال مع مقترحات فنية أخرى تُجرى دراستها حالياً لتطوير وتأمين المسافة الحيوية الممتدة بين منطقة مصطفى كامل وحتى الميناء الشرقي.
وتتجاوز هذه الإجراءات الحالية سياق الاستعداد الصيفي المؤقت لتصبح جزءاً من خطة قومية شاملة توظف البحث العلمي لضمان استدامة الحلول الهندسية في مواجهة النوات البحرية الشديدة وارتفاع منسوب مياه البحر، مما يسهم بشكل مباشر في استقرار المناطق السكنية، والصناعية، والسياحية، حيث قد نجحت هذه المنظومة البيئية بالفعل في وقف التراجع المتزايد في خط الشاطئ عبر عمليات التغذية بالرمال لشواطئ ستانلي وأبو قير والمندرة، فضلاً عن تأمين المنشآت التاريخية مثل قلعة قايتباي والحائط الأثري بالمنتزه، واستكمال الحواجز الغاطسة لحماية كورنيش المنشية ومحطة الرمل وتأهيل حواجز الميناء الشرقي.
وتستند عمليات التغذية بالرمال وحفر الحواجز الغاطسة إلى معايير بيئية دقيقة تضمن عدم الإضرار بالنظام الحيوي البحري، مع التركيز على استعادة التوازن الطبيعي للشواطئ التي تضررت بفعل العوامل الهيدروليكية ونحر البحر المستمر. وتُسهم هذه المنظومة المتكاملة في خلق مصدات طبيعية واصطناعية متطورة لامتصاص طاقة الأمواج العاتية خلال فترات النوات الشتوية، مما يقلل من احتمالات تآكل اليابسة ويحمي شبكات الطرق والمرافق الحيوية المحاذية للساحل من الغمر.
الرؤية المستقبلية
تتجه الخطط التنفيذية نحو صياغة استراتيجية متكاملة تضمن حماية الواجهة البحرية دون الإخلال بطابعها الحضري والمعماري المميز، وهو ما يظهر جلياً في المقترح المستقبلي لتطوير المنطقة الساحلية الممتدة من سيدي جابر حتى الشاطبي، إذ تستهدف هذه الرؤية الدمج بين حماية الشواطئ، وتأمين طريق الكورنيش، واستعادة المساحات الشاطئية المفقودة، بما يسهم في النهاية في تحسين المظهر الجمالي للمدينة وتأمين ثروتها العقارية من خلال شراكة مستدامة بين الأجهزة التنفيذية والمؤسسات البحثية.
ويتسع أفق هذه الرؤية ليشمل تعزيز الجدوى الاقتصادية للواجهة البحرية عبر تحويل المناطق المحمية حديثاً إلى مساحات ترفيهية عامة ومفتوحة تدعم سياحة الشواطئ وتوفر فرصاً استثمارية جديدة للمجتمع المحلي. ويمثل هذا التوجه نموذجاً متطوراً لإدارة المناطق الساحلية بشكل متكامل، حيث تلتقي أهداف الحماية البيئية الصارمة مع متطلبات التنمية المستدامة، بما يضمن بقاء الإسكندرية مركزاً جاذباً للاستثمارات والسياحة المحلية والدولية على حد سواء في العقود المقبلة.
