
في ركنٍ منزوٍ من شارع المحطة بالجيزة، يجلس عم محمود (56 عاماً) يراقب بقلق حركة الشوارع المزدحمة. لسنوات طويلة كان الرجل يمر من هنا ممسكاً بيد ابنه، لكن اليوم تحول الرصيف الآمن إلى “حلبة صراع” غير متكافئة. صوت محركات صاخبة، ومناورات خطرة يمينًا ويسارًا، يقودها فتية لم يبلغوا الحلم بعد.
يقول عم محمود بنبرة غاضبة: “لم نعد نأمن على أطفالنا؛ التوك توك تحول من وسيلة مواصلات للنقاط الضيقة إلى غول يبتلع الشوارع الرئيسية، ويفرض قانون العشوائية بقوة الأمر الواقع”.
هذا المشهد ليس حكراً على الجيزة؛ بل هو فصل من رواية يومية تتكرر فصولها في القاهرة والإسكندرية، حيث تحولت مركبة “التوك توك” من حلّ أفرزته الحاجة في المناطق العشوائية والضيقة، إلى أزمة مزمنة تؤرق مضاجع المخططين وتستنزف هيبة النظام المروري في كبرى المحافظات المصرية.
شوارع مستباحة
في القاهرة، وتحديداً في أحياء مثل المطرية وشبرا، تحولت مخارج محطات المترو إلى “مستعمرات” غير رسمية للتكاتك. المشهد هناك يبدو سريالياً؛ مئات المركبات تتزاحم، تسير عكس الاتجاه، وتغلق المداخل الرئيسية دون رادع. التقينا بـ”كريم”، شاب ثلاثيني يعمل موظفاً في شركة خاصة، والذي يصف رحلته اليومية قائلاً: “أقضي نصف ساعة كاملة للخروج من محطة المترو إلى الشارع الرئيسي بسبب تكدس التكاتك؛ فغياب اللوحات المعدنية يجعل من المستحيل محاسبة السائق إذا ارتكب كارثة أو صدم أحداً وفر هرباً”.
الأزمة في القاهرة لم تعد تقتصر على الأزقة الضيقة، بل زحفت المركبة ذات العجلات الثلاث لتنازع السيارات والحافلات في المحاور الرئيسية. هذا الزحف العشوائي تسبب في شلل مروري شبه كامل في مناطق كانت تُصنف بأنها حيوية، وسط محاولات مستمرة من الأجهزة التنفيذية لفرض غرامات وإجراء حملات مصادرة، لكنها سرعان ما تبوء بالفشل مع عودة “التكاتك” للظهور بمجرد انتهاء الحملة.
عروس تحتضر
إذا غادرت العاصمة متجهاً إلى الإسكندرية، فلن تجد الوضع أفضل حالاً؛ فعروس البحر الأبيض المتوسط التي كانت تتغنى بجمال نظامها المروري وشوارعها المنظمة، باتت تئن تحت وطأة “التوك توك” في مناطق مثل العصافرة، وسيدي بشر، والورديان، إذ لم يعد غريباً أن ترى التوك توك يزاحم الترام الأصفر أو يمر متبختراً على طريق الكورنيش.
الحاجة “فاطمة”، من سكان منطقة العجمي، تروي لنا بمرارة: “الإسكندرية فقدت هويتها. التوك توك لم يجلب الزحام فقط، بل جلب معه التلوث السمعي بأغاني المهرجانات الصاخبة، وأصبح وسيلة سهلة للسرقة والنشل”. تضيف فاطمة أن غياب الرقابة الصارمة في خطوط سير هذه المركبات جعلها تتحرك بحرية في شوارع سياحية رئيسية، مما يسيء للوجه الحضاري للمدينة أمام زائريها.
فوضى القيادة
الجانب الأكثر خطورة في هذه الظاهرة يكمن في هوية الجالسين خلف عجلة القيادة. جولة سريعة في شوارع الجيزة تكشف أن نسبة كبرى من السائقين هم من الأطفال والمراهقين. ففي منطقة بولاق الدكرور، التقينا بـ”أحمد”، طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، يقود توك توك ملكاً لزوج شقيقته. سألناه عن رخصته وخوفه من رجال المرور، فأجاب ببراءة مصطنعة: “أنا أعرف الشوارع الجانبية جيداً، وإذا رأيت لجنة مرورية أهرب في ثوانٍ. القيادة سهلة وتوفر لي دخلاً يومياً يساعد أسرتي”.
إن تشغيل الأطفال في هذه المهنة لا يمثل انتهاكاً لحقوق الطفل فحسب، بل يمثل قنبلة موقوتة في الشارع؛ فهؤلاء الصغار يفتقدون لأبسط قواعد الوعي المروري أو المسؤولية القانونية، مما ينتج عنه حوادث يومية يدفع ثمنها المواطن البسيط. كما تحولت هذه المركبات في كثير من الأحيان إلى بيئة خصبة لجرائم سرقة الهواتف والحقائب، مستغلة سهولة اختفائها داخل الشوارع الضيقة.
غياب الحلول
أمام هذا الوضع المتفاقم، يقف المواطن متسائلاً عن دور الجهات التنفيذية. ورغم صدور قرارات متتالية بتقنين الأوضاع، ووقف الاستيراد، وفتح باب التراخيص، وإحلال التوك توك بسيارات “الـفان” الصغيرة، إلا أن التطبيق على الأرض يواجه عقبات ضخمة، حيث يرى خبراء الإدارة المحلية أن المشكلة تكمن في غياب البديل الفوري الفعال لآلاف الأسر التي تعتمد على التوك توك كمصدر رزق وحيد، بالإضافة إلى ضعف الرقابة الميدانية المستدامة.
إن مواجهة غول “التوك توك” في القاهرة والجيزة والإسكندرية لا تتطلب مجرد حملات أمنية مؤقتة لمصادرة المركبات، بل تستلزم استراتيجية وطنية شاملة، تبدأ بحظر تام لمرورها في الشوارع الرئيسية، وتفعيل منظومة التتبع والترخيص الإجباري، مع توفير تسهيلات حقيقية لمنظومة الإحلال، لإعادة الانضباط لشوارع العواصم الكبرى، واستعادة المظهر الحضاري الذي تآكل تحت عجلات العشوائية.
