
أبطال من هويات مختلفة ومصير واحد؛ يهربون من صخب خلفته ثورات الربيع العربي وما أعقبها من موجات العنف والحروب، لكن رحلة هروب أعمق داخلهم ظلت النجاة معلقة بها؛ حين تحين لحظة مواجهة الذات واستعادة الجذور، واختبار القناعات التي تتساقط تباعًا أمام صخرة الحقيقة.
هكذا تواجه الأديبة د.فاطمة العوا تحديات عالمنا بسلاح الأدب، وهي من بحثت في مجموعاتها القصصية من قبل عن كينونة المرأة، لكنها لاحقًا وجهت خبرتها بالعمل الحقوقي -المحلي والدولي- نحو تحديات الإنسان العربي في لحظة عصيبة؛ فكانت روايتها “الصعيدي” والتي واجهت ظاهرة التطرف، ومن بعدها “أيام جنوب النهر” والتي أماطت اللثام عن كواليس الحرب في السودان .. وحول عالمها الروائي، دار الحوار التالي
تتمسكين بعودة الروح من ميراث التبعية والعنف.. حدثينا عن ذلك الخط السردي.
أظن أن هذا الخط نابع من انشغالي بالإنسان العربي حين يجد نفسه محاصرًا داخل أحداث أكبر منه: الحرب، والاستبداد، والتهجير، والفقر، والإرث الاستعماري، والعنف الذي قد يمارس ضده . لكنني لا أكتب عن هذا الإنسان بوصفه ضحية أبدية، ولا أبحث عن بطولات براقة فوق القدرة الإنسانية؛ ما يعنيني هو استعادة صوته وإرادته. أتساءل: ماذا يتبقى من المرء حين يفقد وطنه أو بيته؟ كيف يحافظ على كرامته وسط الخوف؟ وكيف يقاوم التبعية التي لا تكون سياسية فقط، بل قد تكون نفسية وثقافية واجتماعية أيضًا؟ لذلك تتقاطع شخصياتي القادمة من مصر والسودان وسوريا وغيرها، لا لتقدم خطابًا مباشرًا عن العروبة والوطنية، وإنما لتكشف تشابه الأوضاع والآلام مصداقا لقول أمير الشعراء:
نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا
وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ
كيف يتجلى الطابع الإنساني في قصص تدور رحاها في زمن الحرب؟
أحاول دائمًا ألا أجعل الثورة أو الحرب هي البطل الأساسي في النص، بل أتعامل معهما بوصفهما القوة الضاغطة التي تكشف قدرة البشر على الحياة والنجاة. ما يهمني هو ما يحدث داخل الشخصيات: خوفها، ترددها، شعورها بالذنب، حاجتها إلى الحب، ومحاولتها الحفاظ على كرامتها وسط الانهيار. أسعى للتفاصيل الصغيرة؛ يد تمتد لمساعدة غريب، أم تخفي قلقها، صداقة تولد في لحظة خطر، أو شخص يصر على الاحتفاظ بعادة بسيطة تمنحه إحساسًا بالحياة الطبيعية.
إلى أي مدى ألهمتك مشاهداتك الحقيقية في السودان لكتابة “أيام جنوب النهر” ؟
تبلور قرار كتابة هذه الرواية عبر زياراتي المتعددة إلى السودان واقترابي من أهله وطباعهم وتفاصيل حياتهم. أحببت السودان بعيدًا عن الصور النمطية؛ أحببت دفء الناس، وكرمهم، وهدوءهم، وحضور التصوف في حياتهم، كما لمست عمق العلاقة الإنسانية والتاريخية التي تربطهم بمصر.
حين اندلعت الحرب الأخيرة، وتحولت حياة الناس فجأة إلى رحلة خوف ونزوح وبحث عن النجاة، شعرت بأن هناك حكايات حقيقية يجب ألا تضيع وسط الأخبار والأرقام. كانت نقطة الانطلاق قصة واقعية لرحلة هروب من الخرطوم إلى بورتسودان، جمعت شخصيات من جنسيات وخلفيات مختلفة: مصريًا وسودانيًا وإنجليزيًا وسوريًا وفتاتين سودانيتين، وجدوا أنفسهم معًا في مواجهة الخطر ومطاردة القوى المتصارعة. ألهمتني الوقائع الحقيقية، لكن ما جذبني أكثر هو ما تكشفه المحنة داخل الإنسان: الخوف والشجاعة، الأنانية والإيثار، والانتماء الذي قد يتجاوز الحدود والجنسية.

في أعمالك، لا يبدو العربي ضحية جاهزة ولا الغربي رمزا دائما للهيمنة.. حدثينا عن ذلك
أرفض التصنيفات المسبقة بالفعل؛ فعندما يواجه الجميع الخوف والجوع والفقد واحتمال الموت، تبدأ المسافات بينهم في التقلص، قد يكتشف الغربي أن العالم الذي عرفه من خلال الأخبار أكثر تعقيدًا وإنسانية مما تصوّر، بينما يعيد العربي النظر في علاقته بتاريخ من التبعية والرفض. والأزمات لدي لا تولد القبح بقدر ما تكشف الإنسانية وحضورها الطاغي على كل شيء آخر.
يجسد الشيخ عبد القادر ملاذا صوفيا يعرفه أهل مصر والسودان. ما عمق تأثيره؟
الشيخ عبد القادر ليس الواعظ أو صاحب الكرامات بالمعنى التقليدي، بل إنسان يمتلك حكمة نابعة من التجربة، ويستطيع أن يرى ما وراء الخوف والانقسام في وطنه، ويدفع قومه لنبذ الكراهية واليأس وهو دور المقاومة الذي تلعبه الصوفية. وبالفعل فحياة مصر والسودان عرفت هذا الحضور الصوفي عبر المشايخ والطرق والموالد والإنشاد والذكر، والمزاج الشعبي الذي يجد في المحبة والتسامح وخدمة الآخرين طريقًا للتقرب إلى الله. لذلك تصبح الصوفية في الرواية معبرًا بين مصر والسودان، وبين الإنسان وذاته، وكذلك بين الشخصيات المختلفة التي فرقتها الجنسية واللغة والتجربة. وحين تنهار الخرائط أمام الحرب، يمنحها الشيخ عبد القادر خريطة أخرى قوامها الرحمة والإيمان تساعدها على مواصلة الطريق والتماس المعنى الذي لا نحيا بدونه.
رواياتك لم تتحول لساحة محاكمة للمتطرف. فهل يمكن أن ينجو أحدهم من لعنة ماضيه؟
لا أقسم العالم إلى أخيار وأشرار بصورة مطلقة، لأن أزمنة العنف تكشف هشاشة البشر وتناقضاتهم. ويعنيني أن يظل القارئ قادرًا على رؤية الفرد خلف الحدث الكبير، وأن يشعر أن ما يُروى ليس فقط تاريخ بلد أو ثورة، بل مصير إنسان يحاول النجاة دون أن يفقد نفسه بغض النظر عما تركه وراؤه من تاريخ بأخطاء وبمآسي ليس بالضرورة أن تكون محركه الأساسي اليوم، المراجعات المختلفة التي يجريها الأبطال تماثل الحياة، عندما تشتد نراجع أنفسنا وقد نرجع عما ظنناه صوابا يوما ما. كل إبن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

بين شخصيتي “فاطمة” و”هاجر”، كيف تلعب النساء دورًا يعيد البوصلة للأوطان؟
فاطمة وهاجر وجهان مختلفين للمرأة وهما ليستا مجرد ضحيتين للحرب، بل تمتلك كل منهما طريقتها في مقاومة الانهيار وإعادة ترتيب العالم من حولها.
فاطمة الصعيدية أكثر ارتباطًا بالذاكرة والجذور؛ تحمل المكان في داخلها. أما هاجر، فتمثل الحركة والعبور والقدرة على البدء من جديد. ومن خلالهما، أردت القول إن النساء في أزمنة الحرب لا يحمين البيوت فقط، وحتى إن إرتحلن فهن يحملن الأوطان بداخلهن ويزرعنها في أرض أخري حتى العودة يوما ما. فاطمة وهاجر لا تعيدان البوصلة بالخطابات الكبرى، وإنما بأفعال صغيرة: حماية شخص، والتمسك بحكاية، التمسك بالتقاليد، وهي أشياء تعني الكثير في زمن تتشظى فيه البلاد والحياة.
لماذا فضلت اللجوء لتقنية الأصوات المتعددة في روايتيك الأحدث؟
أعتقد أن زمن الحرب نفسه زمن متعدد الأصوات، وإن حاول السلاح والعنف فرض رواية واحدة. وحين نكتب عن ثورات وحروب لا يمكن اختصار الأمر من منظور واحد. لهذا فإن هذه التقنية منحت كل شخصية صوتها الخاص في الدفاع عن اختياراتها دون تدخل مني لإدانتها أو تبرئتها، كما كانت ضرورية لإبراز التحولات الداخلية للشخصيات: مخاوفها، وأحكامها المسبقة، وشعورها بالذنب.
ولم تكن الأصوات المتعددة مجرد حيلة فنية، بل كانت جزءًا من رؤيتي للروايتين: لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، ولا يمكن فهم الإنسان إلا بالإنصات إلى حكايته، ثم وضعها إلى جوار حكايات الآخرين.
يلعب “القبطان” و”الضابط” دورا محوريا في النجاة.. فهل ذلك قدر مصر تاريخيا؟
أراه امتدادًا لموقعها الجغرافي ودورها التاريخي والإنساني في المنطقة. وربما أردت أيضًا أن أستعيد صورة مصر الحاضنة، لا بوصفها مركزًا متعاليًا أو منقذًا للآخرين، وإنما وطنًا يعرف معنى الخوف والنزوح والتاريخ المضطرب، ولذلك يستطيع أن يفتح بابه لمن أنهكتهم الحروب. فالمصريون والسودانيون والسوريون وغيرهم ليسوا غرباء تمامًا عن بعضهم، بل تربطهم ذاكرة مشتركة وتشابكات أعمق من الحدود الحديثة.
وهنا يظهر القبطان والضابط بما يمثلانه من صورة أقرب للإنسان أكثر من المؤسسة. فالقبطان يتحرك في فضاء البحر، والضابط في فضاء الحدود والأرض، لكنهما يواجهان السؤال الأخلاقي نفسه: ماذا نفعل عندما تصبح حياة الآخرين في أيدينا؟
ما التحديات التي واجهتك في الكتابة الروائية عن إفريقيا؟
التحدي الأول هو الكتابة بعيدًا عن الصورة الاختزالية التي تحصر افريقيا في الحروب والفقر وتتجاهل عالم حي بتجليات التنوع الثقافي الثري عبر العصور. ثم يأتي التحدي المعرفي حين استلزم الأمر سبر أغوار التاريخ والجغرافيا والتكوينات الاجتماعية والسياسية، والنقاش مع من عاشوا الوقائع قبل الكتابة.
وهناك تحدٍ لغوي أيضًا؛ كيف أنقل خصوصية المكان ولهجاته وأسماءه من دون إثقال النص أو تحويله إلى استعراض فولكلوري؟ وكيف أقترب أيضا من الحساسية النفسية لأحداث لم أعشها بالكامل فأتحول لمن يستولي روائيًا على معاناة الآخرين، ولذا قررت منحهم الصوت والفاعلية كاملا في بناء قراراتهم وحياتهم. لم أكتب عن إفريقيا كسائحة بل كمصرية تدرك عمق الوجود الإفريقي في وعينا وشخصيتنا.
كيف تنظرين لدور الأدب زمن الحرب ؟
الأدب يوثق كل ما هو عصي على النسيان؛ وهو ما فعلته روايات مثل “الحرب والسلام” لتولستوي، والتي عكست حياة البشر وتحولاتهم زمن الحرب، أو “وداعا للسلاح” لهمنجواي والتي تظهر تجربة الخوف والحب وفقدان اليقين، وهكذا فالأدب يجسد ما تعجز عنه كتب التاريخ.
يظل الحب ملاذا أخيرا لأبطال رواياتك. هل ترينه حصننا حين يشتد الظلام؟
الحب ترياق الحياة، وأحد أهم تمسك الإنسان بالنجاة، لا يوقف الحرب، ولا يعيد الغائبين، ولا يمحو الخوف، لكنه يمنح الإنسان سببًا لكي يتمسك بالحياة، ولذلك فهو لأبطال رواياتي ملاذ يحميهم من القسوة التي تحيط بهم.
الحب حصن، لكنه حصن بلا جدران. قوته في أنه لا يغلقنا على أنفسنا، بل يفتحنا على الآخرين، ويمنعنا من الاستسلام للكراهية. وربما لا ينتصر الحب دائمًا بالمعنى المباشر كما حدث في “الصعيدي”، لكنه يحفظ فينا الجزء الذي يجعل استمرار الحياة ممكنًا، ويحدد للظلام حدودا فلا تطغى على سماء الأمل والنور.
اقرأ أيضا
30 عاما من إبادة البوسنة.. رحلة في ذاكرة الحرب
كيف نستعيد بشريتنا من صاحب الصوت الأزرق؟
