منوعات

هل الضوضاء عدو العبقرية؟

 

لم يكن الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور ينظر إلى الضوضاء على أنها مجرد مصدر للإزعاج، بل كان يعدها عدوًا مباشرًا للتفكير والإبداع. ولم يكن موقفه هذا مجرد رأي فلسفي، بل ارتبط أيضًا بتجربة شخصية تحولت إلى واحدة من أشهر القضايا في حياته.

ففي أغسطس عام 1821، وأثناء إقامته في برلين، دخل شوبنهاور، وكان في الثالثة والثلاثين من عمره، في نزاع مع جارته الخياطة كارولين لويز ماركيه بسبب الضوضاء التي كانت تحدثها مع امرأتين أخريين في غرفة الانتظار القريبة من شقته. وعندما طلب منهن المغادرة، استجابت اثنتان، بينما رفضت ماركيه الانصراف.

وتطورت المشادة إلى قضية أمام القضاء، إذ اتهمت الجارة الفيلسوف بالاعتداء عليها ودفعها بقوة، مدعية أن ذلك تسبب لها في شلل جزئي أفقدها القدرة على العمل. أما شوبنهاور فأكد أنه اكتفى بدفعها، وأنها تعمدت السقوط للحصول على تعويض مالي.

واستمرت القضية ست سنوات كاملة، لتنتهي بإلزامه بدفع تكاليف علاجها، إضافة إلى نفقة سنوية طوال حياتها. وعندما توفيت عام 1842، دوّن شوبنهاور في مذكراته عبارة مقتضبة قال فيها: “ماتت العجوز، فزال العبء”، في موقف كشف جانبًا من شخصيته الحادة التي كثيرًا ما أثارت الجدل.

ولم يكن شوبنهاور أول فيلسوف يعلن حربه على الضوضاء، فقد سبقه الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي كان يرى أن الهدوء ضرورة لا غنى عنها للتأمل والكتابة. وتشير الروايات إلى أنه غيّر مسكنه بسبب صياح ديك، كما تقدم بشكوى إلى السلطات احتجاجًا على الأصوات المرتفعة الصادرة من أحد السجون القريبة، معتبرًا أن الضجيج، إلى جانب ما رآه من رياء في تلك المظاهر، يبدد صفاء التفكير.

وفي مقالته الشهيرة “عن الضجيج والضوضاء”، التي نشرها عام 1851، لم يوجّه شوبنهاور انتقاداته إلى أحاديث الناس بقدر ما هاجم الأصوات العالية وغير الضرورية التي كانت تملأ شوارع المدن، ولا سيما صوت السياط التي كانت تستخدم مع العربات، وعدّها أكثر الأصوات قدرة على تدمير التركيز وتعطيل التفكير.

وكان يرى أن المشكلة ليست في ارتفاع الصوت وحده، وإنما في كونه عديم الفائدة، إذ يقتحم الذهن ويقطع تسلسل الأفكار في اللحظة التي يكون فيها العقل في أعلى درجات التركيز.

وانطلاقًا من هذا التصور، ربط شوبنهاور بين الحساسية تجاه الضوضاء وبين الذكاء والإبداع. فبحسب رأيه، فإن الأشخاص الذين لا يتأثرون بالأصوات المزعجة هم أنفسهم أقل تأثرًا بالأفكار العميقة والفن والشعر، لأن عقولهم، على حد وصفه، أقل حساسية للمؤثرات الفكرية.

ورغم ما يبدو في هذا الرأي من مبالغة، فإنه يعكس تصور شوبنهاور للعبقرية، التي اعتبرها القدرة على توجيه العقل بالكامل نحو فكرة واحدة. فالعقل المبدع، في نظره، يشبه قطعة ألماس نادرة؛ فإذا تعرضت للكسر فقدت معظم قيمتها، كما يشبه جيشًا منظمًا يفقد قوته بمجرد تشتت صفوفه.

ولم يقصر شوبنهاور أثر التركيز على الإبداع وحده، بل ربطه أيضًا بالسعادة الإنسانية، مؤكدًا أن أعظم لحظات السعادة يعيشها الإنسان عندما ينغمس عقله في عمل أو فكرة تستحوذ على كامل انتباهه، بينما يلجأ كثيرون إلى الضوضاء والانشغال المستمر هربًا من التفكير العميق.

لكن هل تؤيد الأبحاث الحديثة هذه الرؤية؟

تشير دراسات حديثة إلى أن العلاقة بين الضوضاء والإبداع أكثر تعقيدًا مما تصور شوبنهاور. فقد توصل باحثون إلى أن المبدعين غالبًا ما يمتلكون قدرة أقل على استبعاد المؤثرات الحسية المحيطة، وهو ما يسمح لأدمغتهم بدمج أفكار ومعلومات تبدو غير مرتبطة، الأمر الذي يعزز التفكير الإبداعي والقدرة على إيجاد حلول جديدة.

ومع ذلك، تميز هذه الدراسات بين المعلومات المفيدة والضوضاء العشوائية. فبينما قد تثري الإشارات الحسية المتنوعة عملية التفكير، فإن الأصوات المزعجة والمتكررة تظل قادرة على تشتيت الانتباه وإضعاف التركيز، خاصة أثناء أداء المهام الذهنية المعقدة.

وهكذا، قد يكون شوبنهاور قد بالغ في ربط الحساسية تجاه الضوضاء بالعبقرية، إلا أن جوهر فكرته لا يزال يحظى بتأييد جانب من الأبحاث المعاصرة، التي تؤكد أن العقل يحتاج إلى قدر من الهدوء ليحافظ على تركيزه ويطلق طاقته الإبداعية، وأن الضوضاء، عندما تتحول إلى تشتيت مستمر، تصبح بالفعل أحد ألد أعداء التفكير العميق

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21341

موضوعات ذات صلة

مختبر السعادة.. الجانب الخفي في لغة الصمت

أيمن مصطفى

أول منصة إلكترونية للتدريب في مجالي السياحة والآثار بمصر

المحرر

ذكري مدرسة بحر البقر شاهدة علي غدر العدوان

محمد مرسي

فصل عام لطلاب مدرسة بالإسكندرية لإهانتهم معلمه

اسماء ابوبكر

رقمنة تراخيص الغوص بإصدار أول رخصة رسميًا

نجوى سليم

غسل الدماغ أم السيطرة القسرية؟ قراءة في آليات تجنيد الضحايا واستعبادهم

ولاء فتحي