
في هذه الأيام وبينما نحيا وقائع نكبة شديدة الوطأة في عالمنا العربي؛ تُستحل فيها الأرض والشعوب في حروب تصل حلقات الاستعمار الغربي بكل وحشيته؛ يثور التساؤل: كيف وصلنا لهذه الحال بعد عقود من الرايات واللاءات وأناشيد “وطني حبيبي الوطن الأكبر”؟ وهل سنحيا ميلادا جديدا إن فقدت ذاكرتنا ميراث الهزائم والحروب؟!
أمام هذا القهر سقطت ذاكرة بطل رواية “عكس اتجاه الصخب” لكاتبها عمرو دنقل، والصادرة عن دار “إشراقة”، وظلّ البطل في رحلة البحث يلملم أشلاء عمره الذي يلوح من بعيد بصور تحمل ماضيه وماضي أمة كاملة.
في الرواية يبرع السرد في تقديم وعي مضطرب في أوراق مبعثرة وذاكرة مشوشة للبطل تتنقل بين الأمس والآن، ولكن تربط خيوطها حبكة متماسكة. جاءت اللغة أيضا مصقولة وتحمل في الوقت ذاته أعراض اضطراب يلائم اعترافات طبيب يعاني الوحدة والوهم ويتورط في الجريمة، يبدأ الإيقاع بطيئا في العزلة ويتسارع بنا كلما بدأت رحلة الخلاص في ميادين الثورة وعكسها تماما.
اعترافات مهزوم
“ذاكرة ميتة تماما ستكون أفضل من تاريخ مبتور”!
التيمة الرئيسية في الرواية هي استدعاء الذاكرة طوقا للنجاة ومقاومة ما ينتقص من إنسانيتنا، وتبدأ دفة السرد من اعتراف البطل بالقتل متجاوزا إياه – كحدث ثانوي برأيه- لما يراه أهم وهو استعادة ذاكرته وحريته.
كلما مضينا في سماع طاهر سنراه يقهقه ويدعونا لعدم تصديقه لأنه أصلا لا يصدق شيئا. والرواية كما نرى بلسان راوٍ غير موثوق ومضطرب، يمكن أن تشفق عليه أو ترتاب منه ولكنك حتمًا ستراها محصلة لأجواء من الهزائم الأكبر بما يذكرنا برائعة إميل حبيبي وبطله المأزوم سعيد بن أبي النحس المتشائل، كما يذكّرنا بأبطال كافكا والذين يخوضون حياة غرائبية تعكس قهر واقعهم.
يكتب طاهر أوراقه هربا من الوحدة والنسيان وبرغم كونه قد “كفر بالأمل” ومع ذلك أصرّ على تدوين كل ما يثبت للعالم أنه لازال حيًا.
سجن من أوهام
تبدأ متاهتنا مع طاهر وسجنه الانفرادي الذي يقهره بعقوبة “الصمت” ولا أقسى على المرء من أن يُحرم من محيط يحبه ويتدثر بدفئه من أوجاع العالم. يحملنا السرد العجائبي لمناجاة طاهر للكائنات التي تشاركه البراءة ومنها النمل والعناكب بل والأشجار والطير وكأنه يصنع أصدقاء من الكون.
يتجسد لاوعي طاهر تلقائيا في قرين حجري أسماه “مسخا” وظل المسخ يجول في زنزانته ويسامره بل وظل وفيا لطاهر حتى حين سعى لإغراقه ليقتل الشاهد الوحيد على جريمة قتله لخادمته في الحبس طلبا للهرب، وكأنه يقتل بذلك ضميره!
ظل عقوق أبناء طاهر غصّة تؤرقه، وقد عاقبهم بنسيان أسمائهم مع زوجته التي لم تزره ابدا، فيما ظل سؤالهم منصبا على ثروته لا عليه، وحين نرى الابن “العاق الأكبر” نرى انعكاس الهزائم على جيل قادم، ورث لعنة محبة الدنيا والقلق وافتقاد الحب.
في توحد مع رمزية المسيح المخلّص الذي ينزل بعد أن تمتليء الأرض جورا، سعى طاهر للتبشير بعالم يتسع للبشر بالتساوي؛ كما نراه من عتبة الغلاف بلونيه الأسود الرامز لوحدة طاهر، والأخضر الذي يمتص جميع الألوان داخله. هو حلم يبدو ساذجًا حين يبشر أحدهم بما بشرت به الاشتراكية من قبل حين تلغي فروقات البشر وتذيب ألسنتهم ومشاعرهم وثرواتهم لتصبح مزيجا واحدا. الأغرب أنه وعدهم بالأمن مقابل “النسيان” الذي رفض أن يقع ضحيته وكأنه سيحمل وحده
خطايا البشر!! لكن حتى الجنون له جذور وحين نرى طفولة طاهر وندرك أن ملاحقة العار والألم تظل عقدا كامنة تنفجر لاحقا.
عربي بين زمنين
“لهذا اليوم رائحة مميزة؛ تظل متشبثة بجدار السجن إلى اقتراب الغروب “.
يبدع الراوي في رسم زمن البطل الذي يختبر الأيام بشعوره تجاهها، حتى أنه يعرف الاحد بصوت الكنيسة، والجمعة برائحة البخور، ومع ذلك يصر على مخاطبة قراء أوراقه بـ”توقيتكم” ليؤكد أن حاجزه عن العالم لم ينهدم.
وينشطر الزمن السردي إلى قسمين هما تحديدا كل ما يتذكره طاهر من أحداث بعيدة من صباه وما يعيشه اليوم. لكن الأديب عمرو دنقل استطاع أن يوسع العدسة لنرى النسيج الذي أنتج القهر. نسيج مجتمع عربي آمن بالقومية وبالوحدة ثم تتابعت الهزائم فوق رأسه.
“السيد” في الميدان
” كانت الثورة نزالا شرسا بين أماني الخيال ولطمات الحقيقة. قادها الأنقياء وأفسدها بعد ذلك أصحاب المصالح والسماسرة”.
يدرك طاهر بحنكته مآلات الثورات والتي تذكرنا كذلك بما جرى في الربيع العربي. يدرك أن هناك “من يزرع الكراهية تحت رماح الدين”. يستنكر أن تنسى الشعوب طغاتها أو ماضي الحروب ويقول ساخرا: من مكاني هذا أعلن استياء ملايين الجثث، وأصب عليكم لعنات الأرامل وأصحاب العاهات”.
يهتف متأثرا بمتلازمة العظمة التي اصابت كثيرا من قادة العرب: “أيها المواطنون سأمنحكم الحرية كرهًا” وحين يفيق يدرك أنهم لا يرونه بل يطلبون العيش والحرية والكرامة، يدرك أنه ليس السيد الوحيد ولا المسيح المنتظر فيقرر الخلاص الفردي.
في الميدان يتأمل طاهر الفيلسوف كآبة الشباب في نهاية عصر مبارك وقد أصبحت بالوعات الفساد على مصراعيها، ومفارقات خروج بؤساء في مثل أعمارهم لمنع المظاهرات من أجل حفنة من المال لصالح حرس النظام القديم. وتطل الغرائبية برأسها مع جثامين لشهداء الميدان، تلتها أجساد راجلة بلا أعين، يقودهم أخوة لهم بعين واحدة، في حالة افتقاد الجموع لأي بصيرة أو قائد.
يعود بنا الزمن ليلتقي طاهر في المقهى بعمال مصانع حلوان الذين خرجوا للمطالبة بمحاسبة المسئولين عن النكسة نهاية الستينيات ورفضوا الأحكام المخففة، وكأن الميدان يظل شاهدا على ذات المطالب، ثم يلتقيهم مجددا في محاكمة يكتبها بإتقان في أوراقه ويصبح فيها هو المتهم والدفاع عن نفسه والآخرين.
والمفارقة أن طاهر نفسه هو ديكتاتور لا يبالي بالقيم. فقد وعد بعالم يتجاهل فيه النبلاء والنخب والتابعين للكهنوت ويعطي الأولوية للمغامرين ويغفر لمن اقترفوا الجرائم والمومسات!
لعنة العار القديم
يحمل طاهر داخله لعنة قديمة أورثها إياه أبوه الطبيب النفسي الذي أقدم على الانتحار من مصحّته لأنه وجد ابنته “ناهد” الصبية الصغيرة في أحضان زميلها. هنا يمكن رؤية العار الشخصي والعام يمتزجان في الرواية؛ وكأنه لم يبق شيء للعرب إن خضعوا، ولا أدل على ذلك من مشهد يرى فيه طاهر رقص السيدة الوقور في عيادته على أغنية فتاة العجلة!
لقد كان جد طاهر أرستقراطيا ورفض زواج ابنته من طبيب لا يملك غير مهنته، ولما تحدت سلطته طردها من جنته ثم اختار لها لاحقا النفي عن البلاد والزواج بآخر، وكأنه ينفي لعنة التمرد للأبد.
وفي بغداد، تبرع الرواية في تجسيد تلك الروح التي تجمع الشعوب العربية فرحا وألما، وفيها فقط يتخلى الحوار في الرواية عن الفصحى ليذهب لحيوية اللهجة العراقية بلسان الأبطال. ولعل من أشد المشاهد ألقا هي تلك التي وضعوا فيها المؤن لجنودهم الذاهبين لمؤازرة المصريين في حرب أكتوبر، ثم أشد المشاهد بؤسا حين جمعت السيدة وزوجها صور ناصر واسطوانات “صوت العرب” وأحرقتها بعد الهزائم المدوية، والتجأ كل منهما للآخر في مشهد حميمي تقول عنه ناهد: “تساقطت أجسادنا المغبّرة بالدخان. بكينا جوار أطلال العروبة كما يليق بمواطن غبي وزوجته”.
يصبح خيال طاهر أكثر سخونة حين ينسج حياة أمه وأخته اللتان حرم منهما؛ نجد مكر الأدب حين ينتقم من أمه التي وافقت على تركه فيجعلها وابنتها وزوجيهما يعيشون حياة ذليلة معسكرة ثم يخضعون للمحتل الأمريكي في سجن يشبه أبوغريب، حتى يصبح لقب أخته “الكلبة المسنة” لضابطة أمريكية، والراوي هنا يشير فيها لحلقة بائسة من هزائمنا تتكرر بكل انتهاكاتها المروّعة في سجون إسرائيل.
الحب المفقود
أمام هذا الألم، هل كان قلب طاهر يحتاج للحب والغفران؟ لقد استطاع قاريء مذكراته وصهره أن يغفر ذلة زوجته ناهد وأن يسع قلبه آلام عائلة بأكملها، بل وأن يسع طاهر الذي يعالجه في مصحته النفسية والتي تصوّر أنها سجن يغلقه عليه “سجان أكبر” فيما يذكرنا برواية أورويل عن الرقيب المستبد. في الحقيقة كان السجن هو ما تشعر به لا مجرد الجدران.
يهدي الكاتب عمرو دنقل روايته لكل من يسير عكس اتجاه الصخب.. كل من يبحث عن ذاته برغم الزحام. لقد خرج بطل الرواية من عتمة سجنه؛ يبحث عن ذاكرته، ليفاجأ بأن عيادة الطبيب تحمل يافطته واسمه.. فالخلاص على عاتقه منذ اللحظة… رحلة يرفع فيها الرمال عن معابده التي انطمست تحتها ذاكرته علّه يعثر على سنواته فيحييها بالحب والأمل من جديد.
اقرأ أيضا
عشق أوروبي وأفريقية خلف بوابة الرحلة بلا عودة
