ثقافة وأدبسليدر

الجبوري: هذا ما يختبئ خلف مجاز القصيدة العربية

من رحم المعاناة والتشظي الثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي، يولد الشعر كشهادة حية على العصر، لكنه في الوقت ذاته، يلوذ بالصمت، مخبئًا شفراته الأخطر تحت عباءة المجاز. هنا يأتي دور الناقد كصياد دلالات ومفكك بنيوي، يعيد قراءة المتخيل الشعري ليرسم ملامح هويتنا المتأرجحة بين التحدي والهزيمة.

إن النص الإبداعي ليس مجرد بنية جمالية بريئة، بل هو حقل ألغام فكري تتوارى فيه الأنساق، وتختبئ خلف استعارات إيديولوجيات وتصدعات تتماس مباشرة مع الهوية العربية وتحولاتها الراهنة. وفي محاولة جادة لرفع الرماد عن تلك الدلالات المضمرة في جسد القصيدة المعاصرة، بمناسبة فوزه بجائزة باشراحيل العربية لعام 2026، تلتقي “صوت البلد” بالدكتور العراقي سامي شهاب الجبوري، أستاذ النقد الأدبي بجامعة كركوك، في حوار لاستنطاق الأنساق المضمرة في الشعر المعاصر، ليميط اللثام عن المسكوت عنه في الخطاب الشعري بأدوات النقد الثقافي الحافرة في الوعي واللاوعي الجمعي، متأملًا واقع النقد العربي في مواجهة الوافد الغربي، ومبشرًا بمحطته القادمة التي تخوض في غمار “الميتاسرد” وعوالم فكرية متمردة.

نبارك لكم الفوز بالجائزة، كباحث عراقي، ماذا يعني لك هذا التكريم العربي، وكيف ترى أهمية “جائزة النشر” في إتاحة الدراسة للجمهور؟

لا شك أن الفوز بجائزة ثقافية مرموقة بحجم “جائزة باشراحيل” يمثل انعطافة جديدة في مسيرتي؛ كونها جائزة تحتفي بالإبداع وتستقصي مكامن التميز وسط منافسة محتدمة شهدت أكثر من 130 مشاركة في حقل الدراسات النقدية. وتحويل الدراسة إلى كتاب مطبوع يمثل خطوة جوهرية لتقديم المعرفة، وجعل الأطروحة في متناول المثقفين والمتخصصين بالشأن النقدي.

استنطاق الأنساق

أصبح النقد الثقافي ورصد الأنساق من المناهج الحيوية في تفكيك النصوص. ما الذي دفعك لتطبيق هذا المنهج تحديدًا على خطاب الشعر العربي المعاصر؟

النقد الثقافي يمتلك حيوية استثنائية تسهم في تحريك الراكد داخل النصوص الإبداعية، والبحث عن الأنساق المخاتلة التي يبثها الشاعر في ثنايا قصيدته. واختيارنا للشعر العربي المعاصر ينطلق من كونه خطابًا أحاط نفسه بهالة من الأنساق المضمرة؛ نتيجة تقاطعات فكرية وميول شخصية. لذا، كان الاشتغال عليه فرصة سانحة للكشف عن مضامينه واتجاهات مبدعيه، وقد حرصت الدراسة على اختيار شاعر من كل دولة عربية لتغطية الجغرافيا الشعرية برمتها.

يربط كتابك بين الهوية والأنساق الثقافية. كيف تشكلت هذه الأنساق في الشعر المعاصر، هل جاءت لتعزز الهوية العربية أم لتكشف عن تصدعاتها وتحولاتها؟

كان سؤال الهوية الشاغل الأساسي طوال فترة البحث؛ فالرابط بين شعراء ينتمون لبيئات وأوطان مختلفة هو وجود منطلقات مشتركة. وجاءت الهوية المستوحاة من باطن الأنساق الشعرية كمفتاح لسبر أغوار أفكارهم، ودليل على أن المعاناة الفكرية والتشظي الثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي -والشاعر جزء منه- هو همّ واحد ومتجذر في الوعي. من هنا، سعيت للكشف عن هذا التشظي وبيان دوافعه، فجاءت الدراسة لتبين هشاشة الوضع الراهن معرفيًا، وتبرز في المقابل مقدرة الشعراء على المواجهة النخبوية بالاستناد إلى المتخيل الشعري.

شفرات القصيدة

مرّ الشعر العربي المعاصر بظروف سياسية واجتماعية بالغة التعقيد. ما أبرز الأنساق المضمرة التي تمكنت دراستك من استخراجها من بين سطور القصائد؟

هذا سؤال جوهري؛ فالظروف المعقدة دفعت الشعراء نحو تنافس فكري حاد لإيصال رسائلهم. على صعيد هوية الخطاب الذاتي، تفككت أمامنا أنساق تمحورت حول الذات الواقعية (المثقفة والمتمردة)، والذات اللاواقعية (الحالمة)، فضلًا عن تجليات اغتراب الذات ولذة الجنوسة. أما على صعيد هوية الخطاب الجماهيري، فقد تبلورت ملامح ثورية النخبة في مواجهة الاستبداد بشقيه العالمي والمحلي، إلى جانب أنساق استدعاء التراث وحب الانتماء. وهي كلها بنيات ولّدت فرعيات أخرى داخلها، كنسق الهزيمة والاستطراد والتحدي.

يُتهم النقد الأدبي العربي أحيانًا بالتبعية للمناهج الغربية، بينما يراه آخرون يعيش مرحلة تجديد حقيقية. أين تقف دراستك من هذا الجدل المنهجي؟

التعاطي مع الوافد الأجنبي لا ينبغي أن يقودنا إلى الرفض المطلق، وفي الوقت ذاته لا يجوز لنا إهمال آليات النقد العربي والتراث النقدي القديم. لذلك، تعاملت دراستي مع الواقع الشعري بروح الانفتاح والشمولية؛ أي الانسلاخ من التبعية المركزية للغرب، والاشتغال بمضامين الشعر العربي المعاصر النابعة من بيئته ومحيطه الاجتماعي. وباختصار الدراسة راعت الأخذ والتثاقف، لكنها انطلقت من منظار وعين عربية خالصة.

اصطياد النص

كأكاديمي وباحث، كيف تقرأ مواكبة النقد لحركة الشعر المعاصر اليوم، هل نجح الناقد العربي في ردم الفجوة بين النص الحديث والمتلقي؟

الحركة النقدية الراهنة تمثل خطابًا متكاملًا مستندًا إلى أدوات ومناهج وفلسفات ثرية، وهو خطاب منتج  وقادر على تلمّس مواطن الجمال وإيصال المحتوى الهادف للمتلقي. أما فيما يخص ردم الفجوة بين النص والجمهور، فلا أعتقد بحتمية ذلك؛ لأن الشعر إبداع دائم التدفق لا يمكن حصره في زاوية أو توصيفه بوصف ثابت. دور الناقد يكمن في اصطياد ما يمكن اقتناصه من معانٍ ودلالات، لا سيما في النصوص التي تُمرر أنساقها المضمرة عبر الجمالي والنصي، كالشعر المعاصر الذي أضمر الكثير من الدلالات تحت رماد سياقاته الجمالية.

بعد هذا التفكيك الشامل لخطاب الشعر، ما الأفق البحثي القادم للدكتور سامي شهاب، هل ستواصل الحفر في النقد الثقافي أم أن هناك ثيمات أخرى تسترعي انتباهك؟

أثمرت مسيرتي النقدية -بفضل الله- عن ثلاثة عشر كتابًا تنوعت بين الدراسات السردية، والمناهج النقدية، والتداولية، والأسلوبية، وتحليل الخطاب، والنقد الثقافي. وغالبية هذه المنجزات تدور حول إعادة قراءة التراث العربي القديم بآليات النقد الحديث، وهو مسار سأستمر فيه. وحاليًا، أضع اللمسات الأخيرة على كتاب يخص “السرد العراقي الحديث” لرصد تحولاته الفكرية والمضمونية، والوقوف على الروايات الإشكالية بالاستناد إلى تقانات “الميتاسرد” (ما وراء السرد). وختامًا، لكم ولمصر الحبيبة كل التحية والسلام.

اقرأ أيضًا:

جاد الكريم: “قمر تأكله الأيام”.. حكايات البشر بقبضة الزمن

علي: “إزاي بنرقص” حالة شعورية كرقص الطير المذبوح

السراج: ملحمة النار والطين لمواجهة مخططات “أسد” المسمومة

نجم للشباب: اكسروا غاركم وابحثوا عن يثربكم الخاصة

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20997

موضوعات ذات صلة

مطرانية الفيوم تحسم الجدل حول إزالة زراعات الدير

حازم رفعت

“صوت البلد ” تستعرض التشكيل الكامل للجان “الأعلى للثقافة”

أيمن مصطفى

علي: “إزاي بنرقص” حالة شعورية كرقص الطير المذبوح

سارة الدسوقى

عبد الرحمن طلبة.. ذهبٌ مصري في غلاف الفضة

أيمن مصطفى

الشاعرة عزة رياض: الشاعر يبحث دائمًا عن نسخته الأفضل

أيمن مصطفى

محمد نبيل: الواقع فرض رقمنة الكتاب على صناعة النشر

المحرر