
منذ إطلاق مشروع المدارس المصرية اليابانية، اتجهت الدولة إلى تبني نموذج تعليمي مختلف لا يعتمد فقط على تحصيل الدرجات، وإنما يركز على بناء شخصية الطالب وتنمية مهاراته الحياتية والاجتماعية. واستندت التجربة إلى فلسفة التعليم الياباني التي تقوم على الانضباط، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والمشاركة الفعالة داخل المدرسة، وهو ما جعلها واحدة من أبرز التجارب التعليمية التي حظيت باهتمام واسع خلال السنوات الأخيرة.
وتتميز المدارس المصرية اليابانية بتطبيق أنشطة “التوكاتسو”، وهي مجموعة من الأنشطة اليومية التي تهدف إلى غرس قيم التعاون والقيادة واحترام الآخرين، إلى جانب إشراك الطلاب في تنظيم الفصول والحفاظ على نظافة المدرسة والعمل ضمن فرق، بما يسهم في إعداد طالب قادر على التفكير وحل المشكلات، وليس مجرد حفظ المعلومات.
ويرى الدكتور كمال مغيث استاذ علم النفس التربوي بمركز البحوث التربوي أن نجاح هذه المدارس لا يقاس فقط بنسبة التفوق الدراسي، وإنما بمدى قدرتها على تخريج جيل يمتلك مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التفكير النقدي، والإبداع، والعمل الجماعي، والتواصل الفعال، وهي المهارات التي أصبحت مطلبًا أساسيًا في سوق العمل الحديث.
وتسائل مغيث عن مدى قدرة هذه التجربة في أن تسهم في تطوير التعليم المصري بشكل عام، مشيرا إلى أن الإجابة ترتبط بمدى إمكانية تعميم فلسفة التعليم الياباني، وليس فقط إنشاء مدارس جديدة تحمل الاسم نفسه. فنجاح التجربة يتطلب تدريبًا مستمرًا للمعلمين، وتوفير بيئة مدرسية مناسبة، وإقناع أولياء الأمور بأن بناء شخصية الطالب لا يقل أهمية عن تفوقه الأكاديمي.
كما أن تطبيق عناصر من التجربة اليابانية داخل المدارس الحكومية، مثل الأنشطة التربوية، وتنمية المسؤولية لدى الطلاب، وتحسين العلاقة بين المدرسة والأسرة، قد يكون أكثر تأثيرًا على المنظومة التعليمية من الاقتصار على عدد محدود من المدارس.
وفي حال نجحت الدولة في نقل هذه الفلسفة إلى مختلف المدارس، مع تطوير المناهج وتأهيل المعلمين، فإن المدارس المصرية اليابانية قد تتحول إلى نموذج يقود عملية إصلاح التعليم في مصر، ويغير ثقافة التعلم من الاعتماد على الحفظ والتلقين إلى التعلم بالمشاركة والتجربة.
ويقول حسن شحاتة لا يمكن اعتبار المدارس اليابانية الحل الوحيد لتطوير التعليم، لكنها تمثل تجربة واعدة أثبتت أن الاستثمار في بناء شخصية الطالب وغرس القيم والمهارات قد يكون الطريق الأقصر لإعداد أجيال أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، وهو ما يجعل نجاحها خطوة مهمة نحو تطوير منظومة التعليم المصرية إذا تم تعميم مبادئها بصورة مدروسة ومستدامة.
