منوعات

حين تمنح أخطاءك معنى: الكتابة كطريق إلى المرونة النفسية

 

إنها الساعة ٢:١٧ صباحًا، وقد قرر عقلك أن الوقت قد حان لبعض التأمل الذاتي الجاد ليس بشأن اجتماع الغد أو قائمة المهام التي لا تنتهي والتي ستواجهها في الصباح، بل بشأن محادثة أجريتها مع صديق قبل ثلاثة أيام، فجأة، تُردد الكلمات التي استخدمتها خلال تلك المحادثة نفسها في ذهنك حيث تُعيد  نكتةً لم تُضحك، تتذكر الموقف المحرج الذي قلته وتتمنى لو استطعت تغييره، تتذكر الاجتماع الذي كان عليك فيه أن تُبدي رأيك، ومن المثير للاهتمام، أنه في كل مرة يسترجع فيها عقلك تلك الذكرى، تشعر أنها مفيدة، وكأن إعادة تمثيل المحادثة قد تُغيرها بطريقة ما لكنها لا تُغيرها أبدا.

يفترض معظم الناس أن هذا قلق أو مجرد تفكير زائد، لكن علماء النفس لديهم وجهة نظر مختلفة، فعقلك لا يُحاول إعادة كتابة الماضي، بل يُحاول إعدادك للمستقبل والتعلم من التجارب السابقة لاتخاذ قرارات أفضل

هذا التمييز يُغير كل شيء.

عقلك آلة تنبؤ

عادةً ما نفكر في الذاكرة كخزانة ملفات، مكان نخزن فيه ذكريات أحداثٍ وقعت بالفعل، لكن علماء الأعصاب ينظرون إلى الذاكرة بشكل مختلف نوعًا ما، فهي من أهم المؤشرات التي تُنبئ بما سيحدث في المستقبل بالنسبة للدماغ، عندما يُفكّر دماغنا في كيفية اتخاذ قرارات أفضل، فإنه يعود إلى تجاربنا السابقة

كل تفاعل من تلك التفاعلات المحرجة أو السيئة يُصبح معلومة جديدة، كل تجربة غير مريحة تُصبح معلومة، كل خطأ اجتماعي يُصبح تدريبًا إضافيًا للمرة القادمة التي تُجري فيها محادثة مع صديق.

يسأل دماغك: “ماذا حدث؟ ما الذي فاتني؟ ما الذي يُمكنني فعله بشكل مختلف في المرة القادمة؟، لا يُحاول دماغك إحراجك أو إبقائك مستيقظًا طوال الليل؛ بل يُحاول تدريبك.

لماذا ترفض بعض المحادثات أن تنتهي؟

قبل ما يقرب من مئة عام، لاحظت عالمة النفس بلوما زيغارنيك ملاحظة مثيرة للاهتمام في أحد المقاهي: كان لدى النُدُل هناك ذاكرة ممتازة للزبائن الذين لم يدفعوا فواتيرهم، ولكن بمجرد أن يدفع الزبون فاتورته، تختفي تفاصيل الطلب من أذهان النُدُل أُطلق على هذه الملاحظة لاحقًا اسم “تأثير زيغارنيك”، والذي يشير إلى ميلنا إلى إبقاء المهام غير المكتملة عالقة في أذهاننا لأننا نرغب في إنجازها.

تخيل محادثة محرجة عندما لا تعرف ما إذا كان أحدهم قد أساء فهمك، أو تخشى أن تكون قد أسأت إليه، أو تشعر أنك أضعت فرصة، فإن عقلك يُبقي تلك المحادثة مفتوحة وغير مكتملة، ويستمر في العودة إلى تلك اللحظة مرارًا وتكرارًا لأن التجارب غير المحسومة تستحوذ على انتباهنا لذا، يستمر عقلك في العودة إلى تلك اللحظة مرة أخرى.

لماذا يصبح كل شيء أعلى صوتًا في الليل؟

عندما نرتاح، تعمل شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ بجهد أكبر من أي وقت مضى، هذه الشبكة مسؤولة عن دعم ذاكرتنا، وتأملنا الذاتي، وتكوين مواقف تخيلية، وإنشاء محاكاة ذهنية لما قد يحدث أو لا يحدث في المستقبل تخيّل الأمر وكأنه لجنة تخطيط في دماغك تجتمع ليلًا للاستعداد لليوم التالي.

تُنتج شبكة الوضع الافتراضي أنماطًا فكرية سلبية متكررة (تُعرف أيضًا بالاجترار)، وغالبًا ما ترتبط بالقلق والضيق النفسي نظرًا لقدرتها على التركيز على المشكلات بدلًا من الحلول.

لذا عندما يُعيد عقلك تشغيل محادثة في الثانية صباحًا، حاول ألا تستمع إليها مجددًا، بدلًا من ذلك، اطرح سؤالًا مختلفًا: ما الذي يُمكنني تعلّمه من هذا الموقف، دوّن إجابتك.

تُشير أبحاث الكتابة التعبيرية إلى أنه من خلال الكتابة، يُمكنك معالجة المشاعر بشكل أفضل من خلال تنظيمها في نمط فكري مُهيكل عبر الكلمة المكتوبة، ومن خلال تدوين التجربة بدلاً من مجرد استرجاع ما حدث مرارًا وتكرارًا، يبدأ عقلك في النظر إلى الموقف كتجربة مكتملة بدلاً من كونه تجربة عالقة.

و يشجع هذا التغيير على الانفصال النفسي؛ فبدلاً من التركيز على الجوانب السلبية، يمكن لعقلك أن يحوّل تركيزه نحو الدرس المستفاد، وبالتالي الانخراط في عملية التأمل بدلاً من الاجترار، الذي يُعزز المرونة، والتحكم العاطفي، ومهارات حل المشكلات.

الأمل ليس الاعتقاد بأنك لن تُخطئ مُجددًا، بل هو الثقة بأن مُحادثة واحدة غير كاملة لا يُمكنها تحديد مُستقبلك لأن النمو لا يأتي من الكلمات المثالية، بل من تخصيص الوقت للتعلم بعد انتهاء المُحادثة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20795

موضوعات ذات صلة

السياحة: مصر بعيده عن الأحداث الجيوسياسية بالمنطقة

المحرر

باحث مصري يطور جيل جديد من البطاريات

المحرر

ذكري مدرسة بحر البقر شاهدة علي غدر العدوان

محمد مرسي

الإسكندرية تستقبل فوج سياحي من طلاب جامعة قرطاج

المحرر

الحقد: سمُّ النفوس وعُزلتها

أيمن مصطفى

مبادرة هويتنا إسكندراني بمتحف المجوهرات الملكية

المحرر