منوعات

لماذا يشعر بعض الناجين من الصدمات بالأمان وسط الفوضى؟

 

دراسة حديثة تكشف أن من نشأوا في بيئات مضطربة قد يجدون في الهدوء شعورًا غريبًا، بينما تبدو لهم الفوضى أكثر ألفة وأمانًا

يعتقد كثيرون أن الأشخاص الذين مروا بصدمات نفسية في طفولتهم يبحثون، عندما يكبرون، عن الهدوء والاستقرار هربًا من ذكريات الماضي. لكن الواقع أكثر تعقيدًا، إذ تشير دراسات حديثة إلى أن بعض هؤلاء قد يشعرون براحة أكبر في البيئات المضطربة، لأن الفوضى كانت بالنسبة إليهم جزءًا طبيعيًا من حياتهم منذ الصغر

ويرى الباحثون أن الطفل الذي ينشأ في منزل تسوده التوترات المستمرة أو الخلافات أو عدم الاستقرار لا يعتاد على الأمان والطمأنينة، بل يتكيف مع القلق باعتباره الحالة الطبيعية. وعندما يكبر، قد يبدو له الهدوء أمرًا غير مألوف، بل ومثيرًا للقلق

آثار تمتد لسنوات طويلة

تؤكد الدراسات أن صدمات الطفولة لا تترك آثارًا نفسية فقط، بل تحدث تغيرات بيولوجية تؤثر في الدماغ والجهاز العصبي والمناعي، وترتبط بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة، إلى جانب ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والإدمان

كما تؤثر هذه التجارب في مراكز الانتباه وتنظيم المشاعر داخل الدماغ، وهو ما يفسر استمرار آثارها حتى بعد مرور سنوات طويلة على انتهاء الصدمة

الصدمة ليست واحدة

ورغم أن اضطراب ما بعد الصدمة يرتبط غالبًا بذكريات مؤلمة أو كوابيس أو تجنب للمواقف المرتبطة بالحدث الصادم، فإن الباحثين يشيرون إلى أن هناك نوعًا آخر من المعاناة ينتج عن العيش في بيئة منزلية يسودها الاضطراب بشكل دائم

ففي هذه الحالة، لا تكون المشكلة حدثًا واحدًا، بل أسلوب حياة كامل يقوم على غياب الاستقرار، سواء بسبب النزاعات الأسرية، أو الفقر، أو التنقل المستمر، أو انعدام الشعور بالأمان داخل المنزل

الطفل الذي يتعلم النجاة

يعيش الطفل في هذه الظروف وهو يحاول التأقلم مع واقع مليء بالتوتر، فيذهب إلى المدرسة كل صباح محاولًا أن يبدو طبيعيًا مثل أقرانه، بينما يخفي داخله مشاعر القلق والخوف التي ترافقه باستمرار

ومع مرور الوقت، ينشغل بالبقاء آمنًا أكثر من انشغاله باكتشاف مواهبه أو التخطيط لمستقبله، لأن أولويته تصبح النجاة من البيئة المحيطة به

لماذا تبدو الفوضى مألوفة؟

عندما يصل هؤلاء الأطفال إلى مرحلة البلوغ، قد يمتلكون قدرة لافتة على التعامل مع المواقف الصعبة التي تربك الآخرين، لكن المفارقة أن الهدوء نفسه قد يثير لديهم شعورًا بعدم الارتياح

ويشير المختصون إلى أن بعضهم يجد صعوبة في تقبل العلاقات المستقرة أو بيئات العمل الهادئة، وقد ينجذب دون وعي إلى العلاقات المضطربة أو الوظائف المليئة بالضغوط أو المواقف الخطرة، لأنها تشبه البيئة التي اعتاد عليها في طفولته

وقد يفسر ذلك استمرار بعض الأشخاص في علاقات مؤذية، أو اتخاذ قرارات متهورة، أو خلق مشكلات متكررة في حياتهم، ليس لأنهم يرغبون في المعاناة، بل لأن الفوضى أصبحت بالنسبة إليهم شعورًا مألوفًا يمنحهم إحساسًا زائفًا بالطبيعية

الوعي بداية التعافي

ويؤكد الأطباء النفسيون أن الخطوة الأولى في رحلة التعافي تتمثل في إدراك هذه الأنماط وفهم جذورها، فالشخص الذي يدرك أن انجذابه إلى الفوضى يعود إلى تجارب الطفولة يصبح أكثر قدرة على كسر هذه الدائرة وبناء حياة أكثر استقرارًا

كما أن العلاج النفسي يساعد على إعادة بناء طريقة التفكير والتعامل مع المشاعر، بحيث يصبح الهدوء مصدرًا للأمان بدلاً من أن يكون سببًا للقلق

تكشف الدراسات أن صدمات الطفولة لا تنتهي بانتهاء سنواتها، بل قد تعيد تشكيل طريقة الإنسان في فهم الأمان والعلاقات والحياة. ولهذا فإن التعافي لا يعني نسيان الماضي، وإنما فهم تأثيره، والتخلص تدريجيًا من الأنماط التي فرضها، حتى يصبح الاستقرار خيارًا طبيعيًا، لا شعورًا غريبًا يثير الخوف.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21325

موضوعات ذات صلة

كشف أثري يزيح الستار عن الاستيطان الهكسوسي بمصر

نجوى سليم

براعم الحب في حديقة ” الخطوبة”

أيمن مصطفى

في يومها العالمي المتاحف تبرز دورها الثقافي والتعليمي

المحرر

قلقات أم غاضبات….الوجه الخفي لمعاناة النساء

ولاء فتحي

متحف الحضارة في مسار التحديث الشامل

هدير عادل

زلزال منتصف العمر

أيمن مصطفى