ثقافة وأدبسليدر

آلاء أشرف لـ (صوت البلد) : جوائز الدولة أمانة إبداعية

حين يمتزج وعي الباحث الأكاديمي بشغف المبدع الذي يطوع الحرف، تولد تجربة أدبية مغايرة تستحق التوقف والتقدير؛ وهو التجلي الذي تجسد بوضوح في فوز الكاتبة والروائية الشابة آلاء أشرف، باحثة الماجستير بكلية دار العلوم، بجائزة الدولة التشجيعية لعام 2026 في فرع الآداب عن مجموعتها القصصية «تحت جفن الحكاية»، حيث لم تكتفِ فيه بتقديم نصوص عابرة، بل شرعت من خلاله أبواباً ستة نحو تفكيك الواقع، والنبش في الهامش الإنساني، والبحث عن الذات المفقودة وسط تسارع الزمن.

«صوت البلد» التقت الكاتبة الشابة؛ للوقوف على أبعاد تجربتها الفائزة، والإبحار في ثنائية (الناقد والمبدع) داخلها، فضلاً عن استجلاء موقفها من ظاهرة “الأكثر مبيعاً”، وصولاً إلى ملامح مشروعها الروائي الجديد الذي خصت الجريدة بتفاصيله الأولى.. فإلى نص الحوار:

ماذا يمثل فوزكِ بجائزة الدولة التشجيعية لعام 2026 لمسيرتكِ الإبداعية؟

إن تلقي خبر الفوز بجائزة الدولة التشجيعية كان مزيجاً من المفاجأة السارة والامتنان العميق، فأن يقترن اسمي بجائزة تحمل اسم “الدولة المصرية” العريقة في هذا العمر، هو شرف كبير وتكريم وتتويج لسنوات من السهر والقراءة ومحاولات الحفر في الكلمة؛ فهذه الجائزة بالنسبة لكاتبة في مقتبل مسيرتها لا تمثل مجرد مكافأة على عمل مضى، بل هي شهادة ميلاد حقيقية، وطاقة دفع استثنائية تؤكد أن السعي المخلص خلف القيمة والأدب الرصين لا يضيع هباءً.

كيف سيغير فوزكِ بالجائزة الرسمية من حساباتكِ الأدبية في الفترة المقبلة؟

بالتأكيد، فالجائزة تضع الكاتب أمام مرآة نفسه، وتحوله من فضاء الكتابة الحرة التي لا يحاسبه عليها أحد، إلى مربع المسؤولية أمام القارئ وأمام النخبة التي وضعت ثقتها فيه. حساباتي الأدبية لن تتغير من حيث الشغف، لكنها ستصبح أكثر صرامة ونضجاً من حيث الاختيار؛ فلم يعد هناك مجال للمجازفات غير المحسوبة أو الكتابة لمجرد التواجد.

الفترة المقبلة ستشهد تدقيقاً أكبر في اختيار الأفكار، وبناء النصوص، فالتقدير الرسمي يفرض عليك ألا تنزل أبداً عن السقف الإبداعي الذي وصلت إليه، بل أن تطمح لتجاوزه.

ما الخيط الإنساني الذي يربط بين الأبواب الستة لمجموعتكِ «تحت جفن الحكاية»؟

رغم تنوع الأبواب الستة واختلاف حكاياتها، إلا أن هناك خيطاً سرياً يربطها جميعاً، وهو “رحلة الإنسان في تفكيك واقعه والبحث عن مساحات مفقودة من روحه”، فالعوالم الستة تدور في فلك الهامش الإنساني، وتلتقط اللحظات العابرة التي يغفل عنها العابرون لتبني منها دراما وجودية، إذ إن الخيط الفلسفي هنا هو “الوعي”؛ كيف يرى أبطال المجموعة مصائرهم، وكيف يحاولون الانعتاق من أسر الحياة اليومية والمعتاد إلى فضاء الحلم أو التساؤل، فالأبواب تنوعت في الأشكال والتقنيات، لكنها اتحدت في رصد النبض الإنساني المشترك.

وما الدلالة الرمزية وراء اختيار عنوان للمجموعة منفصل عن أسماء قصصها الداخلية؟

اختيار عنوان مستقل للمجموعة بأكملها هو انحياز لفكرة “الوحدة العضوية” للعمل الأدبي. لم أرد أن تُظلم بقية القصص لو اخترت اسم إحداها عنواناً للغلاف، بل أردت مظلة كبرى تستوعب هذه التجربة كاملة.

«تحت جفن الحكاية» يحمل دلالة رمزية تحيل على المنطقة الفاصلة بين الحقيقة والخيال، أو بين النوم واليقظة. إنه ذلك المكان السري الذي تختبئ فيه الحكايات قبل أن تولد؛ الجفن يحمي العين، و”تحت الجفن” توجد الرؤى والأسرار والدموع والمشاعر التي لم تُقَل بعد، وهو ما حاولت نصوص المجموعة النبش فيه.

أي المحاور كان الأكثر إلحاحاً عليك أثناء كتابة نصوص المجموعة؟

المحاور الثلاثة متداخلة بشكل لا ينفصم، فلا يمكن تفكيك الزمن دون البحث عن الذات، ولا توجد ذات معزولة عن سياقها المجتمعي. لكن إن كان عليّ اختيار الأكثر إلحاحاً، فهو “البحث عن الذات”، فالإنسان المعاصر يعيش مغترباً في عالم متسارع، وقضايا المجتمع لا تكتسب قيمتها الأدبية إلا من خلال انعكاسها على نفسية الفرد وتجربته الوجودية، حيث إن الكتابة بالنسبة لي كانت محاولة لإعادة صياغة علاقة هذه “الذات” بالزمن والمجتمع من حولها، ومحاولة العثور على إجابات للأسئلة المنسية.

نظرة الناقدة

 

كيف تقيم الناقدة والأكاديمية بداخلك البناء الفني لمجموعتكِ القصصية؟

هذا هو السؤال الأصعب دائماً؛ الصراع المستمر بين المبدعة والناقدة. كوني ابنة “دار العلوم” وباحثة في النقد والبلاغة، فهذا سلاح ذو حدين. أثناء الكتابة، أحاول جاهدة تنحية “الناقدة” جانباً حتى لا تكبح تدفق الخيال وعفوية النص. لكن في مرحلة المراجعة والتحرير، تستيقظ الناقدة بكل صرامتها وأدواتها المنهجية؛ فإذا نظرت للمجموعة بعين الناقدة، أرى أنها التزمت بتكنيك فني صارم يعتمد على التكثيف اللغوي العالي، وحذف الزوائد، والاعتناء بالبنية البلاغية والمفارقة القصصية دون السقوط في فخ التقعر اللفظي، فالهدف كان دائماً تطويع الأدوات النقدية لخدمة جمالية النص، لا العكس.

ما الذي ينقص جنس القصة القصيرة ليتبوأ مكانته الأكاديمية المستحقة؟

ينقصه التحرر من سطوة “زمن الرواية”. للأسف، يعامل الكثير من النقاد والمؤسسات الأكاديمية والناشرين فن القصة القصيرة باعتباره “خطوة أولى” أو جسر عبور نحو الرواية، وهذا قصور شديد في الفهم. إذ إن القصة القصيرة جنس أدبي قائم بذاته، وله قوانينه الفنية المعقدة التي قد تفوق الرواية صعوبة بسبب شرط التكثيف والإيجاز.

ينقصنا في الفضاء الأكاديمي تخصيص دراسات ومناهج نقدية مستقلة وموسعة تقرأ التحولات الحديثة للقصة، وتواكب جيل الشباب الذي يطور في تقنيات هذا الفن (مثل القصة القصيرة جداً والمتوالية القصصية) ليعود هذا الجنس الأدبي إلى صدارة المشهد الأكاديمي والنقدي.

بين التكثيف القصصي والفضاء الروائي الممتد؛ أين تجدين نفسكِ أكثر؟

أجد نفسي في “الفكرة” ذاتها؛ فالفكرة هي التي تفرض جسدها الإبداعي عليّ وتختار قالبها. هناك فكرة تولد ممتدة، متشعبة، تحتاج إلى نفس طويل وشخصيات متعددة وفضاء زمني واسع، وهنا أستسلم لإغواء الرواية كما حدث في “بنو آدم” و”عم حميدة”. وهناك ومضة خاطفة، مشهد مكثف، أو حالة شعورية حادة لا تحتمل المط والتطويل، بل تحتاج إلى مبضع الجراح وضربة المفارقة الصادمة، وهنا تفرض القصة القصيرة نفسها.

ما الوصفة التي التزمتِ بها لتقديم عمل رصين استحق جائزة الدولة في زمن “البيست سيلر”؟

لا توجد “وصفة سحرية” سوى الإخلاص للكتابة واحترام وعي القارئ. اللاهثون وراء “البيست سيلر” والشهرة اللحظية غالباً ما يكتبون بوعي “السوق” ووفق شروط “التريند” المؤقت، وهذا رهان خاسر لأن هذه الأعمال تموت بمجرد انتهاء موجتها.

وصفاتي البسيطة كانت: القراءة الموسعة والعميقة في أمات الكتب والآداب العالمية، التمهل الشديد في النشر وعدم الاستعجال، والإيمان بأن الأدب الحقيقي هو الذي يحفر في العمق الإنساني ولا يكتفي بمداعبة السطح، فالجائزة قد أثبتت لي ولأبناء جيلي أن الانحياز للرصانة والقيمة يربح الرهان في النهاية، حتى وإن تأخر التقدير.

وما هو مشروعكِ الإبداعي القادم الذي تعكفين عليه الآن وتخصين به “صوت البلد”؟

لجريدة “صوت البلد” وقرائها كل التقدير والمحبة. أنا حالياً أتنقل مجدداً إلى الفضاء الروائي؛ حيث أعكف على كتابة رواية جديدة تمزج بين البعد الاجتماعي والتساؤلات الفلسفية والتاريخية حول الهوية والذاكرة الإنسانية.

الرواية تناقش فكرة “كيف يعيد الإنسان ابتكار حكايته الشخصية عندما تتلاشى من حوله الشواهد الواقعية”. العمل في مرحلة الصقل والتحرير الآن، وأتمنى أن يكون خطوة ناضجة تعزز هذه الثقة الكبيرة التي منحتني إياها جائزة الدولة التشجيعية.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23315

موضوعات ذات صلة

الإعلام الناعم يعيد تشكيل الرأي العام

المحرر

من الدفع الفوري للتقسيط.. خطوة لتنظيم سوق الهواتف

مروة رزق

مثقفون يقدمون روشتة للارتقاء بالذوق العام

المحرر

عمالة الأطفال.. براءة مغتصبة بين الفقر والجهل

سارة الدسوقى

جمال فرويز لـ(صوت البلد): أفلام الكارتون خطر على الأطفال

المحرر

نفحات يوم التروية

أيمن مصطفى