
الترجمة هي جسر ممتد يربط بين الثقافات، وعملية إبداعية يعاد فيها تدوير الفكر البشري ليتحدث بلسان عربي مبين. وفي مشهدنا الثقافي المعاصر، يبرز اسم المترجم إسحاق بندري كأحد صناع هذه الجسور، مستنداً إلى رؤية عميقة وأمانة مهنية مكنته من نقل أمهات النصوص بروحها الأصلية ودون الإخلال ببلاغة الضاد.
في هذا الحوار لـ“صوت البلد”، نلتقي بإسحاق بندري؛ لنبحر معه في كواليس مهنة “المتاعب الجميلة”، ونستكشف طقوسه الإبداعية، ونضع النقاط على الحروف حول واقع حركة الترجمة العربية، وتحديات النشر، ومستقبل المهنة في عصر الذكاء الاصطناعي.. فإلى نص الحوار:
كيف كانت شرارة انطلاقك الأولى في عالم الترجمة؟
انطلقت رحلتي رسمياً عام 2021 بترجمة مسرحية «زوج مثالي» لأوسكار وايلد، غير أن شغفي وعشقي لهذا العالم وُلد قبل ذلك بكثير؛ وتحديداً مع قراءتي لروائع الأدب والفكر العالمي، حيث تنوعت قراءاتي بين نصوص باللغة الإنجليزية مباشرة وأخرى مترجمة. وقد اخترت مسرحية وايلد لتكون خطوتي الأولى دون تردد، نظراً لمكانتها الخاصة في قلبي منذ سنوات طويلة.
ما هي أبرز العقبات التي واجهتك في مقتبل مشوارك؟
العقبات في البداية كثيرة وحتمية؛ أولاها كان تحدياً شخصياً يتمثل في ترويض الذات على الانضباط، والالتزام بتخصيص وقت ثابت ويومي للكتابة والترجمة حتى أصبح الأمر عادة راسخة. أما العقبة الثانية فكانت خارجية، وتتعلق بتعقيدات قطاع النشر وتفاوت أولويات وتفضيلات كل دار نشر، وهو ما يتطلب من المترجم نفساً طويلاً وصبراً ممتداً.
أين تكمن الشعرة الفاصلة بين روح النص والبلاغة العربية؟
تقديم إجابة تنظيرية جاهزة هو أمر سهل، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في التطبيق الفعلي واقتناص هذا التوازن الحرج. هذا التناغم لا يولد فجأة، بل هو نتاج الاستمرارية في القراءة، والاشتباك اليومي مع نصوص متنوعة، فضلاً عن المراجعة الصارمة للذات وتلافي أخطاء الماضي. إنه باختصار حصاد الوقت والجهد والخبرة المتراكمة.
جسر الثقافات
هل تفرض عليك الترجمة طقوساً معينة أثناء العمل؟
طقوس العمل عندي واحدة لا تتجزأ سواء أكانت كتابة أم ترجمة؛ إذ أفضّل دائماً الاستيقاظ مبكراً واستغلال هدوء ساعات الفجر الأولى والنهار لإنجاز مهامي. ويرافقني في هذه الخلوة الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية أو الإذاعات المتخصصة مثل “البرنامج الموسيقي” و”كلاسيك إف إم”. قد تبدو هذه التوليفة تقليدية للكثيرين، لكن مذاقها وتأثيرها يختلفان من مبدع لآخر.
وفق أي معايير تختار الكتب التي تقرر نقلها للعربية؟
هذا المسار يتحرك في اتجاهين متوازيين؛ الأول نابع من خياري الشخصي البحت مثل مسرحية «زوج مثالي» ورواية «النور الذي خبا»، والثاني يأتي بترشيح من دور النشر مثل كتابي «معادلة التسويف» و«سؤال آخر فقط». وغالباً ما تقترح الدور خيارات متعددة انتقي منها ما يتوافق معي. وفي الحالتين، أبحث عن “طزاجة” النص، وعن فكرة حية تتقاطع مع قناعاتي وتحولاتي الفكرية وتحفز القارئ على التفكير.
ما هو النص الذي شكّل التحدي الأصعب في مسيرتك؟
رواية «النور الذي خبا» لرديارد كيبلينج بلا منازع؛ فهي روايته الأولى وعمل معقد للغاية يمزج بين السرد النثري والشعر. الرواية مستوحاة من سيرة الكاتب الذاتية، وتحفل بطبقات تاريخية، ورؤى سياسية، وتوجهات جندرية معقدة. هذا الأمر استدعى مني بحثاً وتنقيباً مطولاً خلف السطور استغرق وقتاً طويلاً، ولم يقل في مجهوده عن عملية الترجمة ذاتها.
واقع المهنة
كيف تقيم المشهد الحالي لحركة الترجمة في وطننا العربي؟
لا أدعي الإحاطة بالصورة كاملة، لكن المشهد يبدو منقسماً؛ فهناك انتعاش كمي ملحوظ وإصدار لأعمال قيمة بجهود مترجمين أكفاء ودور نشر جادة. وفي المقابل، هناك رواج تجاري استسهالي يعتمد على إعادة ترجمة أعمال قتلت بحثاً وترجمت مراراً وتكراراً. الواقع أننا لا نزال بحاجة إلى جهود مؤسسية ضخمة، فما أكثر الكلاسيكيات العالمية التي لم تترجم للعربية حتى يومنا هذا، ناهيك عن السيل المتدفق من الإصدارات السنوية الحديثة بمختلف اللغات.
متى ينال المترجم العربي حقه المادي والمعنوي كاملاً؟
مادياً، يصعب فصل أجر المترجم عن الواقع الاقتصادي العام وتفاوت القوة الشرائية للعملات؛ لذا يفضل الكثيرون تقاضي مستحقاتهم بالعملة الصعبة إذا كانت الترجمة مصدر دخلهم الوحيد، ولا يوجد معيار ثابت في هذا الشأن. أما معنوياً، فإن حالة “السيولة المعلوماتية” الرقمية السائدة اليوم جعلت الأمور أكثر تعقيداً، وربما تصيب المترجم بنوع من الإحباط نتيجة عدم التقدير الكافي لجهده المعرفي.
صراع الذكاء الاصطناعي
هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل المترجم البشري فعلياً؟
طفرة الذكاء الاصطناعي فرضت هذا التساؤل الملحّ على كافة المجالات وليس الترجمة وحدها. ولكي نضع الأمور في نصابها الصحيح: التطور التكنولوجي لا يلغي المهارة البشرية بل يخدمها، والإنسان الواعي يستغل الآلة لتسهيل عمله لا لكي يستسلم لها. الرهان على جانب واحد خطأ فادح، وبيت القصيد اليوم يدور حول التوظيف الأخلاقي والسليم لمعطيات هذا التطور المنظور.
طموحات المستقبل
بماذا تنصح شباب المترجمين في بداية طريقهم المهني؟
أخصّهم بنصيحة ثلاثية أعتبرها دستوراً للمهنة: «مجهودات دائمة، مساعٍ مستمرة، وتوقعات قليلة».
ما المشروع الأدبي الجديد الذي تعكف عليه حالياً؟
هناك مشاريع قائمة بالفعل وتحت التنفيذ، لكنها تحتاج إلى وقت لكي تنضج وتكتمل، ولم يحن وقت الإعلان عنها بعد، وكل ما أتمناه هو أن تقدم إضافة حقيقية ومختلفة عما سبق.
لو اخترت كتاباً واحداً ليكون إرثك الأخير، فماذا تختار؟
هذا السؤال بالغ الصعوبة، لأن منظورنا للأشياء يتبدل وتناولنا للفكر يتغير مع مرور العمر وتراكم الخبرات. بالنسبة لي، الأهم هو استمرار فعل الكتابة والترجمة في حد ذاته كشغف دائم، ولكن إذا توجب عليّ الاختيار، فستتجه بوصلتي نحو الأعمال التأسيسية الفكرية التي تفكك الرؤية المتبادلة وجسور التواصل بين الشرق والغرب.
