
في يونيو من كل عام، يتوقف العالم ليحتفي باليوم العالمي للأب. هذه المناسبة لم تعد مجرد تاريخ عابر على التقويم، بل تحولت إلى وقفة تأملية تستكشف أحد أعقد المفاهيم الإنسانية. في العصر الحديث، تراجعت الصورة النمطية للأب بوصفه مجرد مموّل مادي تنتهي مسؤوليته عند حدود تلبية الاحتياجات البيولوجية والمالية، ليعاد اكتشافه كشريك عاطفي، وبوصلة تربوية، وصمام أمان نفسي لا غنى عنه.
وتتجلى الأبوة في السردية البشرية بوصفها إحدى أبرز التيمات الأدبية التي يمكن وصفها مجازًا بظلال الحارس الصامت. فالأب في الرواية والقصة العالمية ليس مجرد سلطة مطلقة، بل هو ذلك الجدار الخفي الذي يستند إليه البيت دون أن يشتكي من ثقل الحمل؛ البطل الذي يختار طواعية الغياب خلف الكواليس لتستمر مسرحية الحياة، وفي كثير من الأعمال الأدبية يبدو صانعًا لمستقبل أبنائه بجهده وتضحياته، دون أن ينتظر احتفاءً أو تخليدًا لاسمه.
لكن كيف رآه المبدعون؟ إن جولة سريعة بين رفوف الأدبين العربي والعالمي تكشف أن صورة الأب لم تكن يومًا أحادية البعد، بل تراوحت بين الهيبة والتضحية والضعف الإنساني والصدام بين الأجيال.
الأب كجذر
لطالما كان الأب في الوجدان الأدبي العربي رمزًا مركبًا؛ يتأرجح بين وقار السلطة وثقل المسؤولية، وغالبًا ما تُبنى العلاقة معه على الاحترام والالتزام بالتقاليد.
تتربع شخصية السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ بوصفها أحد أشهر نماذج الأب السلطوي في الرواية العربية؛ فهو الحاكم بأمره داخل بيته، والمنطلق المرح خارجه. وتعكس الشخصية مجتمعًا يمر بتحولات عميقة بين الأصالة والحداثة، فيما يمثل تراجع سلطة الأب في نهاية الثلاثية انعكاسًا لهذه التحولات الاجتماعية والسياسية، أكثر من كونه انهيارًا كاملًا للمنظومة الأسرية.
وفي رواية المصابيح الزرق يقدم حنا مينه نموذجًا للأب الكادح الذي يحاول حماية أسرته وسط الفقر والحرب، وإن لم تكن الأبوة هي المحور الرئيس للرواية، فإنها تبرز باعتبارها قيمة إنسانية تتجسد في الصبر والكرامة وتحمل المسؤولية.
مرادف الأرض
يجسد الشاعر حِطّان بن المعلّى عمق العاطفة الأبوية في بيته الشهير: “وإنما أولادُنا بيننا…أكبادُنا تمشي على الأرضِ”
وفي أدب المقاومة، تتجاوز الأبوة أبعادها البيولوجية لتصبح قضية هوية وذاكرة. ويتجلى ذلك في رواية عائد إلى حيفا لغسان كنفاني، حيث يحمل الأب عبء اللجوء والتاريخ، ويطرح سؤالًا مؤلمًا عن رمزية الأبوة في زمن الحرب والفقد. كما جعل محمود درويش في عدد من قصائده حضور الأب امتدادًا للأرض والجذور الفلسطينية، ورمزًا للصمود والذاكرة الوطنية، مثل قصيدته “أبي”.
صراع الأجيال
إذا كان كثير من الأدب العربي قد مال إلى الحفاظ على هيبة الأب حتى في مواطن النقد، فإن أعمالًا غربية عديدة اتجهت إلى استكشاف التعقيدات النفسية للعلاقة بين الأب وأبنائه.
في مسرحية “أوديب ملكًا” لسوفوكليس، تقوم الأحداث على مأساة قدرية تنتهي بأن يقتل أوديب والده “لايوس” دون أن يعلم حقيقته، تحقيقًا لنبوءة سابقة. وفي العصر الحديث، أعاد سيجموند فرويد تأويل هذه الأسطورة في إطار نظريته المعروفة بعقدة أوديب، بوصفها تفسيرًا نفسيًا للعلاقة بين الابن والأب، وهي نظرية أثارت نقاشًا واسعًا.

في مسرحية “الملك لير” لوليام شكسبير، نلتقي بالأب الذي يختبر إخلاص بناته بطريقة تقوده إلى الخيانة والجنون، في تصوير مؤثر لهشاشة السلطة عندما تغيب عنها الحكمة.
الأب المنارة
وفي رواية “أن تقتل طائرًا محاكيًا” لهاربر لي، يقدم المحامي أتيكوس فينتش أحد أشهر نماذج الأبوة في الأدب العالمي؛ فهو يربي أبناءه على العدالة والشجاعة ومناهضة العنصرية من خلال القدوة العملية قبل الوعظ.
وفي وثيقته الأدبية الشهيرة “رسالة إلى أبي”، يصور فرانز كافكا أثر شخصية والده الصارمة في تكوينه النفسي وشعوره الدائم بالرهبة وانعدام الثقة بالنفس. ويقترب من هذه الرؤية جون فانتي في رواية “انتظر حتى الربيع، يا بانديني”، حيث يرسم علاقة معقدة بين الابن وشخصية والده المهاجر الكادح، في مزيج من الحب والتمرد والإعجاب.
الحماية والسند
عند المقارنة، يلاحظ أن كثيرًا من الأعمال العربية قدمت الأب بوصفه رمزًا للحماية والسند والسلطة الأسرية، بينما اتجهت أعمال غربية عديدة إلى استكشاف أبعاده النفسية وتعقيدات علاقته بأبنائه، مع وجود استثناءات بارزة في كلا الأدبين.
ومع ذلك، يلتقي الأدبان عند سؤال إنساني واحد: كيف يحمي الأب أبناءه من عواصف الحياة، وكم يدفع من روحه ثمنًا لهذه الحماية؟
إن الاحتفاء باليوم العالمي للأب في جوهره اعتراف بكل تلك الخطوات غير المرئية التي مشاها الآباء ليمهدوا لأبنائهم الطريق. ويذكرنا الأدب، بمختلف لغاته، بأن الأب ليس قالبًا جامدًا من الصرامة أو الجمود، بل إنسان يحمل في داخله قلقًا ومحبة وتضحيات قد لا يبوح بها.
تحية في هذا اليوم لكل أب يصارع في ميادين الحياة لتأمين لقمة العيش، ولكل أب يمنح أبناءه الحب والأمان دون انتظار مقابل، وتحية إجلال للآباء الذين غادروا عالمنا وتركوا وراءهم إرثًا من القيم يواصل الحياة في تفاصيل أبنائهم… تحية لذلك “الحارس الصامت” الذي يبقى واقفًا كي لا نسقط نحن.
اقرأ أيضًا:
نجم للشباب: اكسروا غاركم وابحثوا عن يثربكم الخاصة
أيقونة عابرة للأجيال.. الشعراوي وسر خلوده بوجدان المصريين
دنشواي.. حكاية ظلم نسجت من حبال المشانق
السراج: ملحمة النار والطين لمواجهة مخططات “أسد” المسمومة
