ثقافة وأدبسليدر

دنشواي.. حكاية ظلم نسجت من حبال المشانق

في الثالث عشر من يونيو لعام 1906، لم تكن قرية دنشواي الهادئة الرابضة في أحضان محافظة المنوفية تعلم أن طلقات بنادق الصيد البريطانية لن تصيب الحمام وحده، بل ستصيب قلب الأمة المصرية بمقتل. ليلة واحدة حوّلت تلك القرية الوديعة من مجرد نقطة منسية على خريطة الريف المصري إلى رمز خالد للمظلمة الوطنية، وجرح إنساني غائر غيّر مجرى التاريخ والسياسة والأدب.

دم الفلاحة

بدأت المأساة عندما اقتحم مجموعة من الضباط الإنجليز حرمة القرية، متأبطين بنادقهم لصيد حمام يربيه الفلاحون في أبراجهم. لم يكد دوي الرصاص يرتفع حتى سقطت فلاحة مصرية مدرجة بدمائها برصاصة طائشة، واشتعلت النيران في أجران القمح قوت الفلاحين وكدّ أيامهم لتندلع شرارة المواجهة.

تجمع الأهالي دفاعًا عن أنفسهم وعرضهم وأرزاقهم، وأمام الغضبة الشعبية العارمة، ركض ضابطان بريطانيان في هجير الصيف الحارق لمسافة طويلة، ليسقط أحدهما صريعًا بضربة شمس تسببت في وفاته وقتل فلاح مصري حاول إنقاذه بشربة ماء. لم تحتمل غطرسة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس هذا التمرد، فجاء الرد وحشيًا يفتقر إلى أدنى معايير العدالة الإنسانية.

محاكمة الضمير

لم تكن المحكمة العسكرية المغلظة التي عُقدت سوى مسرحية هزلية لإعادة الهيبة لجيش الاحتلال. وصدرت الأحكام في السابع والعشرين من يونيو قاسية كصخور الجلادين بالإعدام شنقًا لأربعة من شيوخ وشباب القرية، هم: حسن محفوظ، ويوسف سليم، والسيد عيسى سالم، ومحمد درويش زهران، والأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة لآخرين، والجلد علنًا لثمانية من الأهالي وحبس عام طبقًا لتصريح ممدوح زهران حفيد الشهيد البطل محمد درويش زهران.

ترأس المحكمة القاضي بطرس غالي (وزير الحقانية آنذاك)، وشارك في عضويتها أحمد فتحي زغلول (رئيس محكمة مصر الابتدائية)، إلى جانب قضاة بريطانيين، وتولى الدفاع عن المتهمين المفكر أحمد لطفي السيد. وفي مفارقة تاريخية مريرة، اختار البريطانيون لجهة الادعاء محاميًا مصريًا هو إبراهيم الهلباوي؛ الذي استغل براعته الخطابية للمطالبة بإنزال أشد العقاب والبطش بأبناء جلدته، متبنيًا الرواية الإنجليزية بالكامل، وممتدحًا ما سماه أفضال الاحتلال على مصر.

وفي مشهد تقشعر له الأبدان، نُفذت الأحكام في اليوم التالي مباشرة داخل القرية، وأمام أعين الأمهات والزوجات والأطفال المذعورين. سقط الشهداء على أرضهم، لكن دماءهم سالت لتسقي شجرة الغضب الوطني.

زلزلـة كرومر

أحدثت قسوة الأحكام زلزالًا عصف بالشارع المصري، وتحول الذهول الأولي إلى طاقة غضب جارفة تبلورت بفضل التحرك السياسي المحنك للزعيم الوطني مصطفى كامل. ففي 11 يوليو 1906، أطلق حملة دولية برسالته الشهيرة في صحيفة “الفيجارو” الفرنسية بعنوان “إلى الأمة البريطانية والعالم المتمدين”، مستصرخًا الضمير الأوروبي ضد الوحشية البريطانية.

ولم يكن مصطفى كامل وحده؛ بل هزت الحادثة الضمير العالمي، فكتب الكاتب البريطاني “ولفريد بلنت” نشرة عنيفة بعنوان “بشاعات العدالة في ظل الحكم البريطاني لمصر”، كما أدان الكاتب الشهير “جورج برنارد شو” الحادثة بقسوة في مقدمة مسرحيته “جزيرة جون بول الأخرى”.

صور حقيقية للمحاكمة

تحت وطأة هذا الضغط الدولي والداخلي غير المسبوق، اضطر مجلس العموم البريطاني لفتح تحقيق، وكان الثمن السياسي الفوري هو إجبار اللورد كرومر-المعتمد البريطاني والحاكم الفعلي لمصر لربع قرن- على الاستقالة ذليلًا عام 1907. ولم تتوقف الآثار عند هذا الحد، بل كانت دنشواي الوقود الذي عجل بتأسيس الحزب الوطني، وتوحيد الحركة الوطنية؛ مما أدى إلى الظهور الرسمي للأحزاب المصرية الثلاثة الكبرى حينها: الحزب الوطني، وحزب الأمة، وحزب الإصلاح الدستوري.

انتقام الكلمة

إذا كانت المشانق قد غيبت أجساد الشهداء، فإن أقلام الأدباء والشعراء منحتهم الخلود، وأسست لتلك اللحظة الفارقة من تاريخ أدب المقاومة في مصر؛ حيث تحول الشعراء إلى ضمير أمة يصرخ في وجه الطغيان.

انتفض أحمد شوقي ليوجه سهام نقده اللاذعة للورد كرومر، ناعيًا القرية المنكوبة بلغة تقطر شجنًا وكبرياء:

يـا دِنشِـوايَ عَبـيرُ رُبـاكِ سَـلامُ … ذَهَبَـت بِأُنسِ رُبـوعِكِ الأَيّـامُ

كَيفَ الأَرامِلُ فيكِ بَعدَ رِجالِها … وَبِأَيِّ حـالٍ أَصـبَحَ الأَيتـامُ

عِشرونَ بَيتاً أَقفَرَت وَاِنتابَها … بَعدَ البَشـاشَةِ وَحشَـةٌ وَظَلامُ

نَيرونُ لَو أَدرَكتَ عَهدَ كَرومِرٍ … لَعَرَفـتَ كَيفَ تُنَفَّـذُ الأَحكـامُ

نوحي حَمائِمَ دِنشِوايَ وَرَوِّعي … شَـعباً بِوادي النيلِ لَيسَ يَنامُ

مُتَوَجِّعٌ يَتَمَثَّـلُ اليَـومَ الَّـذي … ضَجَّـت لِشِـدَّةِ هَولِـهِ الأَقدامُ

السوطُ يَعمَلُ وَالمَشانِقُ أَربَعٌ … مُتَوَحِّـداتٌ وَالجُـنودُ قِيـامُ

وَالمُستَشارُ إِلى الفَظائِعِ ناظِرٌ … تَدمى جُـلودٌ حَولَـهُ وَعِظـامُ

وَعَلى وُجوهِ الثاكِلينَ كَآبَةٌ … وَعَلى وُجـوهِ الثاكِـلاتِ رُغـامُ

مرارة إبراهيم

أما حافظ إبراهيم، فقد صاغ تراجيديا الحدث بأسلوب تهكمي مرير يفضح زيف العدالة المدعاة للاحتلال، وخصَّ المدعي العام إبراهيم الهلباوي بأبيات لاذعة:

أَيُّها القائِمونَ بِالأَمرِ فينا … هَل نَسـيتُم وَلاءَنـا وَالوِدادا؟

خَفِّضوا جَيشَكُم وَناموا هَنيئاً … وَاِبتَغوا صَيدَكُم وَجوبوا البِلادا

وَإِذا أَعوَزَتكُمُ ذاتُ طَوقٍ … بَينَ تِلكَ الـرُبا فَصـيدوا العِبادا

إِنَّما نَحنُ وَالحَمامُ سَواءٌ … لَم تُغـادِر أَطواقُنـا الأَجيـادا

لَيتَ شِعري أَتِلكَ مَحكَمَةُ التَفـ … ـتيشِ عادَت أَم عَهدُ نيرونَ عادا؟

أَيُّها المُدَّعي العُمومِيُّ مَهلاً … بَعضَ هَذا فَقَد بَلَغتَ المُرادا

قَد ضَمِنّا لَكَ القَضاءَ بِمِصرٍ … وَضَمِنّا لِنَجلِكَ الإِسـعادا

فَإِذا ما جَلَستَ لِلحُكمِ فَاِذكُر … عَهدَ مِصرٍ فَقَد شَفَيتَ الفُؤادا

أَنتَ جَلّادُنا فَلا تَنسَ أَنّا … قَد لَبِسـنا عَلى يَدَيـكَ الحِدادا

ظلال المأساة

لم تقف الصرخة عند حدود القصيدة العمودية، بل تغلغلت في بنية السرد المصري لتدشن أولى الروايات التاريخية والسياسية. فظهر صدى هذا القهر والتوتر بين الفلاح والأرض والمحتل في رواية “عذراء دنشواي” لأديبها محمود طاهر حقي، والتي صدرت طبعتها الأولى في يوليو 1909.

كانت الرواية تُنشر منجمة (على أجزاء) يوميًّا في جريدة المنبر، ولاقت رواجًا طاغيًا دفع بحكمدار العاصمة آنذاك، “منسفلد باشا”، إلى رجاء الكاتب شخصيًا بأن يُخفف من لهجة الرواية الساخنة مراعاةً للأمن العام، نظرًا لحالة الانفعال الجماهيري العارم التي أحدثتها في النفوس.

إن حادثة دنشواي لم تكن مجرد مواجهة دامية عابرة بين فلاحين وعساكر، بل كانت لحظة تنويرية قاسية استيقظت فيها الهوية الوطنية المصرية على حقيقتها الكاملة. لقد أراد المستعمر من المشانق وأسواط الجلد إخضاع القرية وكسر كبريائها، فجعلت منها الأقلام والقصائد والمواويل منارةً تلهم الأجيال؛ ليظل متحف دنشواي القائم اليوم شاهدًا حيًا على أن الدم إذا امتزج بالكلمة لا يموت.

اقرأ أيضًا:

السراج: ملحمة النار والطين لمواجهة مخططات “أسد” المسمومة

إعلانات المنتخب.. عامل مناجم بآيفون ومشجع فهلوي انهزامي

جدران تنطق بالثورة.. “قاذف الزهور” لوحة تتحدى الاحتلال

أسرار “الصرخة”: لماذا يشبهنا ساكن اللوحة المشوه؟

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20420

موضوعات ذات صلة

زلزال منتصف العمر

أيمن مصطفى

“جسر القناديل”.. من قال أن النسخة الثانية ستصبح أسعد؟

شيماء عيسي

محمد رجب يبدأ تصوير «قطر صغنطوط»

الأعلاف سبب إشعال أزمات صناعة الدواجن

المحرر

إسحاق بندري يُحاور “هشاشة الجسد”

أيمن مصطفى

ترام الإسكندرية.. ثورة “تحديث” في قلب “التاريخ”

أيمن مصطفى