منوعات

الفئران والقرود تكشفان سر التعافي النفسي

 

لم يعد علماء الأعصاب ينظرون إلى الصحة النفسية بوصفها قضية فردية محضة، بل باتوا يرون أن الإنسان لا يستطيع استعادة توازنه النفسي بمعزل عن محيطه الاجتماعي. وتشير دراسات حديثة إلى أن العلاقات الإنسانية ليست مجرد عامل مساعد على التعافي، بل جزء أساسي من الطريقة التي يعمل بها العقل نفسه.

ويقدم عالم الأعصاب دانيال سيجل تصورًا مختلفًا للعقل، إذ لا يقتصر على النشاط الذي يجري داخل الدماغ، وإنما يشمل الجهاز العصبي بأكمله، بما فيه الأمعاء والجلد والعمود الفقري، إلى جانب الروابط والإشارات المتبادلة بين البشر. ووفق هذا المنظور، فإن العقل لا يعيش داخل الفرد وحده، بل يتشكل أيضًا عبر التفاعل المستمر مع الآخرين.

ومن هذا المنطلق، يكتسب القول الشهير للفيلسوف جان بول سارتر: «الجحيم هو الآخرون» قراءة مختلفة، إذ تشير نتائج الأبحاث الحديثة إلى أن الآخرين قد يكونون، في المقابل، أحد أهم مفاتيح التعافي النفسي، لأن الإنسان كائن اجتماعي يتأثر بعلاقاته بقدر تأثره بتركيبته البيولوجية.

وتبرز إحدى الدراسات التي أجريت على الفئران هذا الترابط بوضوح. فقد راقب الباحثون سلوك مجموعات من الفئران بعد تغيير درجة حرارة البيئة المحيطة بها، ولاحظوا أنها تتجمع أو تتفرق بما يحافظ على دفء المجموعة بأكملها، في سلوك يعكس تعاونًا جماعيًا للحفاظ على التوازن.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ عمد العلماء إلى تثبيط نشاط منطقة محددة في أدمغة بعض الفئران، فباتت أقل ميلًا إلى الانضمام إلى التجمعات. لكن بقية الفئران سارعت إلى تعويض هذا الخلل عبر زيادة تفاعلها مع الأفراد الأقل نشاطًا، ما حافظ على درجة حرارة المجموعة واستقرارها كما كانت قبل التجربة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الجماعة قادرة على تعويض ضعف بعض أفرادها، بما يضمن استمرار التوازن العام، وهو ما يدفع الباحثين إلى الاعتقاد بأن التعاون ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل آلية بيولوجية تساعد على البقاء.

ويرى الباحثون أن البشر يميلون غالبًا إلى تصور أنفسهم ككائنات مستقلة ومنعزلة، بينما تكشف العلوم العصبية أن عقولنا مترابطة بصورة أعمق مما نتصور، وأن كثيرًا من الأزمات النفسية لا يمكن فهمها أو علاجها باعتبارها مشكلات فردية فقط، لأن الإنسان جزء من شبكة واسعة من العلاقات المتبادلة.

وتعزز أبحاث أخرى هذا التصور من خلال دراسة ما يعرف بالخلايا العصبية المرآتية، التي اكتشفها علماء إيطاليون لدى القرود في تسعينيات القرن الماضي، ثم تبين لاحقًا وجودها لدى الإنسان أيضًا. وتنشط هذه الخلايا عندما يشاهد الفرد شخصًا آخر يؤدي فعلًا معينًا، وكأنه يقوم بالفعل نفسه، وهو ما يفسر قدرتنا على التعاطف والتقليد وفهم مشاعر الآخرين.

ويؤكد العلماء أن هذه الخلايا تمثل دليلًا إضافيًا على أن الدماغ البشري صُمم ليتفاعل مع الآخرين بصورة مستمرة، وأن الإشارات الاجتماعية تترك أثرًا مباشرًا في نشاطه، حتى عندما لا يصاحبها أي تفاعل جسدي.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، يحذر الباحثون من اختزال أزمة الصحة النفسية في التشخيص أو العلاج الدوائي أو الممارسات الفردية وحدها، مؤكدين أن التعافي الحقيقي يتطلب أيضًا إعادة بناء العلاقات الإنسانية وتعزيز روح التضامن والدعم المتبادل داخل المجتمع.

وفي النهاية، قد لا يكون الإنسان فأرًا ولا قردًا، لكن الدرس الذي تقدمه هذه الدراسات يبدو واضحًا: الصحة النفسية لا تزدهر في العزلة، بل في بيئة تقوم على التواصل والتكافل والشعور بالانتماء. فالعقل، كما تكشف العلوم الحديثة، لا يعمل منفردًا، وإنما ينمو ويتعافى من خلال علاقاته بالآخرين

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21303

موضوعات ذات صلة

فهمي عمر.. رحيل “الحكيم” الذي أرّخ لمصر بميكروفونه

أيمن مصطفى

مصر تشهد افتتاح اول فندق للفنون

المحرر

سيكولوجيا الغيرة الزوجية

أيمن مصطفى

مكافآت مقابل النفايات.. ثورة شبابية لإنقاذ البيئة

سارة الدسوقى

الضرائب: تكريم 80 من أمهات المصلحة المثاليات

المحرر

مقابر البدايات تواجه شبح التدهور

هدير عادل