
في زمنٍ يهرول فيه الجميع نحو الرواية بوصفها الوعاء الأكبر للحكاية، يأتي فن القصة القصيرة ليثبت أنه ما زال قادرًا على قنص اللحظة واختزال الوجود الإنساني بكثافة مدهشة. ومن رحم المعاناة مع دور النشر التي كثيرًا ما تلوذ بالصمت أمام المجموعات القصصية، يُعيد هذا الفوز الصاخب الاعتبار لأحد أصعب الفنون الأدبية وأكثرها تقطيرًا وتقشفًا.
في مجموعته القصصية الفائزة بالمركز الأول بجائزة باشراحيل الادبية “قمر تأكله الأيام”، يشرع الكاتب أحمد جاد الكريم قلمه في جسد الوقت، متأملًا ذلك الخيط الرفيع الممتد بين الاكتمال والتلاشي، ومقتفيًا أثر النوستالجيا والمتاهات الوجدانية التي يغرق فيها البشر محاولين النجاة من فخاخ الحياة وألاعيبها. جاعلًا من مجموعته مرآة لدورة العمر والإنسان في مواجهة الفقد والغياب المطبق.
في هذا الحوار مع صاحب الجائزة، تستكشف “صوت البلد” عوالمه الإنسانية، وكيف ولدت اللقطة المقتنصة، وكيف تتقاطع ظلال “ماركيز” ويوسف إدريس مع قلمه، وصولًا إلى رؤيته الجريئة لواقع النشر والجوائز، ومسؤولية المبدع حين يلوح له الضوء في نفق السرد الطويل، والمشاريع القادمة التي يطبخها حاليًا على نارٍ هادئة.
ما القيمة الرمزية التي تضيفها هذه الجائزة لمشروعكم؟
أسعدني الخبر، فالنجاح مبهج بلا شك، والجوائز لها أثر مادي ومعنوي مقدّر؛ فهي بمثابة ضوء يلوح في نهاية نفق طويل ومظلم، لتهمس للكاتب: “استمر، ما تفعله له جدوى وقيمة”. لكن شريطة ألا يكتب الأديب وعينه على الجائزة. المسؤولية تظل قائمة ومطوقة لعنق الكاتب فاز أم لم يَفُز، لأن الفوز الحقيقي والأبقى هو تقديم نص جيد يعيش في ذاكرة القراء.
التهام العمر
القصة القصيرة فن اللقطة المقتنصة والتكثيف الشديد.. كيف ولدت فكرة مجموعة “قمر تأكله الأيام”، وتبلورت حتى أصبحت نصاً متكاملاً؟
قمر تأكله الأيام ليس عنوانًا لقصة بعينها داخل المجموعة، بل هو الخيط الناظم للعمل ككل. تدور أغلب القصص حول فكرة الزمن الذي يلتهم أعمار البشر، تمامًا كما يحدث للقمر في دورته؛ يبدأ هلالًا، يكتمل بدرًا، ثم يعود للنقصان صعودًا إلى لحظة المحاق والاختفاء التام.
متاهة الحياة
يحمل عنوان المجموعة مسحة شجية تحيل إلى ثيمات الفقد والتلاشي وسطوة الزمن. ما العوالم الإنسانية والوجدانية التي أردتم غمس القارئ فيها؟
كما أشرتِ، تدور معظم النصوص حول هذه الثيمات. ورغم أن قصص المجموعة كُتبت على فترات زمنية متباعدة، إلا أنها نابعة من الهمّ ذاته؛ حيث يؤطرها الموت، والحنين الجارف (النوستالجيا)، والمتاهة التي يغرق فيها الإنسان محاولًا النجاة من فخاخ الحياة وألاعيبها. بعض هذه القصص اتكأ على تجارب حقيقية عشتها، لكنني مزجتها بسحر الفن والخيال، ولعل هذا ما جعل المسحة الإنسانية والوجدانية أكثر حضورًا وكثافة فيها.
لكل كاتب جملة أو عبارة تولد من قلبه وتلخص روح العمل كله.. ما الاقتباس الأقرب إلى قلبك من بين قصص المجموعة، والذي تشعر أنه يختزل ما أردت إيصاله؟
أجدني دائمًا قريبًا من المقطع الذي يقول: “ها أنتَ تبحث بين أنقاض البيت القديم عن موضع النخلة، لكي تُحدد قبر فرخ الطائر الذي دفنته، وصلت للنقطة، ووقفت للحظة، ضاعت ملامح القبر، وصار بلا علامات توضحه، تناثر عظمه بكل تأكيد في أماكن شتى، قسوت على أبيك، قسوت على كل مَن أدلى برأي قاطع بضرورة قطع النخلة، دعوتَ عليهم جميعًا، ثم تراجعت وهدأتَ لما رأيتَ طائرًا يرفرف بعيدًا، هل من الممكن أن يسكن يومًا في بيتنا الجديد؟!”
رد الاعتبار
في وقت يتحدث فيه الكثيرون عن “زمن الرواية” وهيمنتها على سوق النشر والجوائز، يأتي فوزكم ليعيد الضوء إلى فن القصة القصيرة. كيف ترى واقع هذا الفن اليوم، هل يُظلم كُتّاب القصة من قِبل النقد والناشرين؟
في الحقيقة، المسؤولية هنا مشتركة وتتقاسمها أطراف عدة. لا أدري إن كان الظلم يبدأ من القارئ الذي يُقال إنه هجر القصة نحو الرواية المتخمة بالأحداث والشخصيات، أم من الكُتّاب الذين آثروا مغازلة ذائقة الجمهور واللحاق بموجة السرد الروائي. وربما يكون الناشرون هم السبب الأساسي لعزوفهم عن مغامرة نشر المجموعات القصصية مقارنة بحفاوتهم بالرواية؛ ولعل خير دليل على ذلك أن هذه المجموعة نفسها رُفضت من قِبل دور نشر عدة قبل فوزها!
الخروج من هذا المأزق يتطلب تكثيف الجوائز المخصصة للقصة القصيرة، وإعادة الاعتبار لها في الدوريات والصحف الأدبية من خلال ملفات متخصصة ومواكبة نقدية جادة.
عوالم ساحرة
من هم رواد القصة القصيرة الذين تجد في نصوصهم إلهامًا يتقاطع مع قلمك؟
أجد متعة بالغة في تنويع قراءاتي بين الأدب العربي والعالمي. على الصعيد العالمي، تلهمني عوالم “غابرييل غارسيا ماركيز” وتفجر بداخلي طاقات إبداعية؛ إذ يذهلني ذلك المس من الواقعية السحرية في قصصه القصيرة بشكل خاص. أما عربيًا، فلا يمكن تجاوز مدرسة يوسف إدريس الفريدة، والقصص المذهلة لنجيب محفوظ، وعوالم يحيى حقي الساحرة، وصولًا إلى تجربة محمد المخزنجي التي تمثل محطة مهمة لا غنى لأي كاتب عن المرور بها والتأثر بجمالياتها.
يأتي هذا الفوز بالتنسيق مع جهات ثقافية بارزة؛ كيف ترى دور هذه الشراكات في دعم المواهب الأدبية وإبرازها؟
كل خطوة تُسهم في إذكاء جذوة الإبداع وتحريك المياه الراكدة هي خطوة محمودة وضرورية. مثل هذه المبادرات تمثل حافزًا حقيقيًا للكاتب ومحركًا يدفع به نحو مواصلة الكتابة والاستمرار في تجويد نصوصه وتطوير أدواته.
المركز الأول يضع على عاتق المبدع مسؤولية تقديم الأفضل دائمًا؛ فما مشاريعك الأدبية القادمة؟
أعكف حاليًا على المراجعة الأولى لمسودة رواية جديدة، ولكنها لن تصدر في معرض الكتاب المقبل لأنها ما زالت تحتاج إلى جهد وصقل. كما أن هناك مشروعًا في الترجمة لم تتضح معالمه النهائية بعد، وآمل أن يرى النور قريبًا.
اقرأ أيضًا:
علي: “إزاي بنرقص” حالة شعورية كرقص الطير المذبوح
السراج: ملحمة النار والطين لمواجهة مخططات “أسد” المسمومة
نجم للشباب: اكسروا غاركم وابحثوا عن يثربكم الخاصة
ساتورن يأكل أولاده.. الوجه المظلم للأبوة عند دي جويا
