
عالمنا تنهار فيه الحدود بين الواقع الملموس والافتراضي، ويلتحم وعي البشر بوعي كوني تقوده منظومة الذكاء الاصطناعي، فهل سيجد الإنسان سعادته في الشاشة الزرقاء أم يصبح ترسا خاضعا في آلة بلا عقل ولا روح ولا ذكريات يهتدي بها لنفسه إن تاهت في الزحام؟
قليلة هي الروايات التي تدخلك في متاهة النفس وتحديات العصر بوعيٍ شديد وفنية عالية، وهذا ما تفعله رواية “صاحب الصوت الأزرق” الصادرة عن “الدار المصرية اللبنانية”، والأولى من نوعها للدكتور شريف عرفة، وكأنه قد قرر استثمار خبرته في علم النفس للإجابة على سؤال العصر: من يقود القطار: الإنسان أم الآلة؟
في كلمات المفتتح، يشير الكاتب لأول خريطة فرعونية ترشد للعالم الآخر في كتاب “الطريقين”، وكأنها تخبرنا بحلم البشرية القديم في امتلاك القوة، ومنها نلتقط تيمة الرواية المؤسسة على ذوبان الحدود بيننا وبين العوالم الكونية المحتجبة، والتي نجهل هل سيصبح عبورنا إياها بوابة للنعيم أم الشقاء؟
رحلة جلال لفك اللغز
“مخاوفك القديمة تطاردك كشبح حين تسعى لإنكارها”..
تقوم الرواية على رحلة البطل “جلال زهران” وهو طبيب نفسي شاب بزع نجمه في علوم التشخيص الجنائي وخاصة للجرائم الإلكترونية، وقد سخر علمه بإخلاص لعلاج نزلاء عنبر الخطرين في الخانكة عبر أسلوب التجسد المتعدد والذي يدلف لبؤرة الألم ويعالجها (اكتشف مثلا أن مريضا قد دهس ابنته بطريق الخطأ بسيارته، ولهذا رفضت نفسه الاعتراف بالحياة بعدها).
يبدأ الصراع مع ظهور مدير المستشفى الدكتور مأمون وهو يجسد سلطة الأساليب البدائية في العلاج، ومع ضغطه المستمر على جلال للتوقف عن ممارسة أي أسلوب جديد، اضطر الاخير – كما كثيرين في الواقع- للهجرة خارج البلاد حيث طلبت دولة العلم “إبستوفيا” – رمز القطب التكنولوجي العالمي- اختصاصيا ماهرا لفك لغز جريمة قتل أحد الجنرالات.
هنا تبدأ رحلة جلال الحقيقية وهي رحلة يفك فيها شفرة ذاته المترعة بالألم بالتوازي مع شفرة جريمة القتل، وكأن البشر أوان مستطرقة تتقاسم ذات المخاوف والخطر.
كتب د.شريف عرفة روايته بلغة عذبة، تميل للسخرية التي تنطبع بها شخصية البطل بعد أن انهدمت في نظره كل المعاني وراح يبحث عن مجد يخلد بصمته وينسيه اغترابه. وقد اختار الراوي أن يحملنا السرد بضمير المتكلم وهو الأنسب للروايات النفسية خاصة تلك التي تحتل العقل المضطرب حيث تغيب الحواجز بين الضلال واليقين، وينمو الشك داخلنا في كل شيء.
لقد برعت الرواية في تقديم نمط معرفي مدعوم بأبحاث حقيقية عن علوم النفس والكون، تركها الراوي في الهوامش، وكأن الخيال العلمي والفانتازيا هنا ليس علينا سوى حملهم على محمل الجد.
كان اللغز الذي طار البطل لدولة إبستوفيا لعلاجه هو مقتل جنرال مرتبط بالذكاء الحديث، بطريقة طقوسية مريبة؛ حيث ترك الجاني جثمان الضحية بكامل هندامها وعطرها ونثر دمها المراق على الحائط واختص الصورة العائلية وطمس حروف الكتب، وفي الخارج أدار موسيقى طفولية وترك زهرة لوتس غارقة في حوض دماء وكأنها تصارع الموت بطاقة الحياة!
هذه الأجواء التي تتكرر في الرواية كمشهد رئيسي، تجعلنا أمام مجرم يحمل رسالة لعالمنا، ومع تكرار الجريمة وسقوط الضحايا ممن أزاحوا الستار عن صاحب الصوت الأزرق أو كشفوا سره للبطل، بات الخطر محدقا بالجميع.
هروب الجسد والروح
” كما لو كنا نستعير لحظة من عالم آخر، تتلامس فيه أرواحنا وتمتزج لتصير واحدة”.
تبدو علاقات الجسد في الرواية هي الهروب والشعور بالفردانية والنشوة ولو مؤقتة في عالم يسحق ما هو إنساني. لقد عرف البطل مبكرا أن الجمال الخارجي لا يعني جمال الروح، وكانت زوجته التي أحالت حياته جحيما بسخطها وجشعها مثالا لذلك، منذ ذلك الحين قرر البطل في دستوره الخاص أن تظل علاقته بأي امرأة مسألة عابرة، متهما كل النساء بمركبات النقص!
كانت علاقة البطل وخبيرة الطاقة “ليديا” تحمل سمة “تراض إلكتروني” وهو بديل الزواج في “إبستوفيا” الجديدة التي هدمت بمعاولها فكرة الأسرة والزواج، لصالح المتع العابرة، ودشنت أشكالا افتراضية، وأخرى شبيهة بالبشر كتلك التي تمنحها الروبوت “سيجما”، وهكذا تحول الحب لخدمة إلكترونية!
ترسم الرواية جيدا هنا ملامح التناقض بين شخصية “جلال” المؤمن بالعلم حتى أنه يفسر الحب الذي يحتاج إليه بكونه مجرد “وهم هرموني” وبين “ليديا” التي تؤمن بقوانين الطاقة الكونية وتأثيرها على البشر، وكأنها أمام نقيضي التطرف في المادة والروح.
ابحث عن الطفولة
تمثل شخصية الدكتورة “زينات” جانب الطب النفسي وهي تحلل مخاوف الطفولة في حياة البطل والتي كبتها طويلا فتحولت لأشباح تطارده.
وهنا يتذكر البطل عمه “حسين” المحامي العتيد الذي رباه بعد رحيل والديه، وهو شخصية معقدة يشبه قديسا رجيما؛ لا يترك من يده المسبحة، ولكنه ضليع في تبرئة المدانين بالقتل وهكذا زرع فكرة الاستقواء فوق العدالة في ضمير الطفل، كما كان ضليعا في ابتزاز النساء لنزوات جسده، ربما ذلك ما ضاعف احتقار البطل للنساء باستثناء “سهام” الحضن الذي كان يعني له مزيج الأنوثة والأمومة الأول.
على العكس، كانت طفولة “ليديا” مع أب ضحى بكل شيء لأجل ابنته بعد هجر الأم المفاجيء المفجع. حتى أن هذا الرجل يناديها في مشهد أبوي بديع وهو يصارع الموت في المستشفى، ليحكي لها قصة قبل النوم كما اعتاد، وحين يفشل، ينصحها بشفقة بأن تتبع نجم الشمال حيث قوى الكون الجالبة للسعادة والحظ.. ولكن الرواية تحمل سرا مدهشا للذكاء الخارق في ربط ليديا وجلال عبر هذا النجم!
متألهو العصر الجديد
“لن تبلغ المراد الا بشحذ حواسك الباطنية التي طمرتها ضوضاء الحياة”
يتصاعد التوتر النفسي داخل البطل مع شبح “ظل” يلاحقه. لقد رآه للمرة الأولى خلال جلسته مع سفاح إفريقي يدعى “موجامبو” والمدان بقتل الجنرال، وتدفع بنا الرواية لصلة تخاطر بكاهن الطيف المقدس الذي تغمر كلماته لاوعي البطل وكأنها تسحره، ويظل يردد “أنا الظل في نورك واليقين في عتمتك”.
تمتاز الرواية بحبكة مثيرة لا نكاد فيها نلتقط أنفاسنا مع صراعات جلال ضد أسياد الوعي الخارق، هؤلاء المتألهين بقوة التكنولوجيا والمعرفة والذين يسخرون البشر لخدمتهم، كان منهم “جريجوريوس الصانع”، ووحش الليفاثان، وهو رمز السلطة المتوحشة (ربما كما تفعل الصهيونية الغربية المتحكمة بالعلم اليوم)، ومع سقوط الضحايا تتفكك الألغاز أمام جلال.
وتلعب الرواية على فكرة أسلوبية أدبية تتجسد بالعنوان “الصوت الأزرق” حيث تداخل الحواس في عالم آخر، فيصبح المسموع مرئيا وملموسا، ولكننا هنا نراه متجسدا مع صاحب الصوت وعالمه اللازوردي الشبيه بهواتفنا؛ ببرودته وصوته المخيف الآسر للوقوع في شركه.
وهم الإنسان الخارق
“عقلنا يهرب بالنسيان من الأحداث الصادمة كي لا ينهار”
بوجه عام، لا يبدو صاحب الصوت الأزرق وعيا كاملا ولا شريفا في الرواية. فهو يقايض البطل بكشف لغز مقتل والديه مقابل طاعته للأبد. رأى نفسه في مشهد روائي بديع وقد عاد طفلا يمسك دميته، ويقترب من غرفة يصرخ فيها والداه – وهما يعملان بالبرمجة والفيزياء– بينما العم يقتلهما لصالح أسياده بلا رحمة!
وتنسف الرواية ما يستقر بذهن قارئها عبر كوابيس البطل المختلطة بلا وعيه، حين يرى أباه مازال حيا، وكأن الرواية تدفعنا دوما للتشكك دوما فيما توحيه الشاشات الزرقاء وعملائها من أسياد الطاقة الروحية– تماما مثل الدكتور هندوسا- بكلماته الدافعة لاختراق الوعي الكوني واستلاب المرء وإخضاعه.
خارج فقاعة الأزرق
“… أما رائحة إبستوفيا من المطار فكانت تشبه رائحة الدمية الخارجة من علبتها”
في الرواية نرى المدن الذكية حيث تنمو أحلام القوة في السماء والأرض، تنمو الزهور الاصطناعية العطرة، والأضواء تغمر الأبراج، والمولات تعج بخدمات الإنسان الخارق، وبرغم ذلك لم يتحقق شيئ من الطمأنينة والسعادة للبشر، بل وكانت الأوامر بأن تظل النوافذ شبه مغلقة كي لا يزيد عدد المنتحرين!
في لحظات التنوير بالرواية يدرك البطل خطة استلاب البشر وامتصاص الوعي في مصانع التهجين. يحتسي الشاي مع رجل جرى إعدامه، فيما يواجه هو ذاته كابوسا بإعدامه واستنساخ وعيه، وكأننا نسمع صوت آيلون ماسك وهو يعد البشرية بشرائح ذكية في عقولها.
في الرواية ندرك مع دولة إبستوفيا كيف تنهار الديمقراطية تلك الموضة القديمة، فالنخب دورها ترويج الاندماج لصالح سادة العصر بلا معارضة، ولا حاجة لبرلمانات، والأبحاث والدراسة لا علاقة لهم بسوق العمل، والذكاء الاصطناعي يتكفل بكل شيء! (هل يذكرنا ذلك بشيء اليوم؟!) هنا يفضل البشر حياتهم الافتراضية حتى ينسون واقعهم وطموحهم، ويستمع الشباب لأغاني الهلوسة (وكأن الأزرق يسحق الفن في طريقه)، وهكذا تحولت المدينة لـ”حوض سمك يخنق البشر”.
من أبدع مشاهد النهاية حين تستيقظ في البطل نوبات حنينه للوطن والذي تسميه إبستوفيا بالمرض!! يدرك أنه يحتاج إنسانيته غير الخارقة، وان مصر “تتسلل مسامه” وأنه ليس أمريكيا يحيا بذهنية المهاجر من أرض لأرض. ويتأكد المعنى حين نرى مشهد إنقاذه لحقيبة الذكريات والصور قبل أن يحرقها في النفايات.
في هذه اللحظات، لم يعد البطل يسأل من امتص الحروف من كتب الضحايا ومن نثر الدماء فوق الجدران. وفي سعيه المحموم للعثور على الشبح القاتل، يعثر البطل على أخطر سلاح ضيعه في معركته، فقط حين استمع لأنين سيدة عجوز تدعو فوق المصلاة، فيما رائحة البخور تعبق المكان وصوت الأذان يتجلى بطاقة التسليم نحو السماء.
اقرأ أيضا” يوميات الحرب بعيون “أطفال يحرسون الضوء”
