منوعات

من أين تولد أفكارنا؟ العلم يهدم أسطورة “مركز القيادة” في الدماغ

 

يعتقد معظم الناس أن داخل أدمغتهم مركزًا واحدًا يتحكم في الأفكار والمشاعر والقرارات، وكأن هناك قائدًا خفيًا يجلس خلف لوحة تحكم، يستقبل المعلومات، ويرتبها، ثم يقرر ما يجب أن نفكر فيه أو نشعر به. لكن أبحاث علم الأعصاب الحديثة تشير إلى أن هذه الصورة المألوفة قد تكون مجرد وهم، وأن العقل البشري يعمل بطريقة أكثر تعقيدًا وإثارة مما كنا نتصور.

فعندما نرى مشهدًا، أو نستمع إلى حديث، أو نتذكر موقفًا قديمًا، يبدو لنا أن كل هذه المعلومات تمر عبر مركز واحد يعالجها قبل أن تتحول إلى أفكار واعية. غير أن العلماء يؤكدون اليوم أن الدماغ لا يعمل بهذه الطريقة، بل يعتمد على عدد كبير من العمليات التي تجري في الوقت نفسه، دون وجود مركز قيادة واحد يديرها جميعًا.

ويستند هذا التصور إلى نظرية قدمها الفيلسوف وعالم الإدراك دانيال دينيت، الذي رفض فكرة وجود “مدير” داخل الدماغ يتولى تنظيم الوعي. وبدلًا من ذلك، طرح ما يعرف بنموذج “المسودات المتعددة”، الذي يرى أن الوعي ينشأ من تفاعل عدد كبير من العمليات العصبية المتزامنة، وأن الإحساس بوحدة الذات ليس إلا نتيجة لهذا التفاعل المستمر.

ولتوضيح فكرته، استعان دينيت بقصة فلسفية شهيرة تنسب إلى الفيلسوف برتراند راسل. ففي هذه القصة يزعم أحد الطلاب أن الأرض تستقر فوق ظهر سلحفاة عملاقة، وعندما يسأله أستاذه عما تستند إليه السلحفاة، يجيب بثقة: “إنها سلاحف إلى ما لا نهاية”. ويستخدم دينيت هذه الحكاية ليبين أن افتراض وجود مركز يتحكم في الوعي يقود إلى سؤال آخر: من يتحكم في هذا المركز؟ ثم من يتحكم في المتحكم؟ وهكذا ندخل في سلسلة لا تنتهي من الافتراضات.

ويرى أن الاعتقاد بوجود “شخص صغير” داخل الدماغ يدير الأفكار يشبه المسرح الذي يجلس فيه متفرج يراقب كل ما يحدث، وهو ما أطلق عليه اسم “المسرح الديكارتي”، نسبة إلى الفيلسوف رينيه ديكارت، الذي رأى أن العقل كيان مستقل عن الجسد، وأن هناك مركزًا تنبع منه الأفكار والوعي.

وظلت هذه الفكرة مؤثرة في فهم الإنسان لعقله لقرون طويلة، إذ يشعر معظمنا بأن هناك ذاتًا مركزية تراقب العالم من داخل الرأس، وتفسر كل ما نراه ونسمعه ونفكر فيه. إلا أن نتائج أبحاث علم الأعصاب الحديثة لا تدعم هذا التصور.

فوفقًا لنموذج “المسودات المتعددة”، لا يوجد مكان محدد داخل الدماغ يتلقى جميع المعلومات ثم يصدر القرار النهائي، بل تعمل شبكات عصبية عديدة بصورة متزامنة، تتبادل المعلومات باستمرار، ويولد الوعي من هذا النشاط المتداخل، وليس من غرفة قيادة مركزية.

ويضرب الباحثون مثالًا بسيطًا على ذلك بقدرة الدماغ على فهم الجمل الناقصة أو النصوص التي تحتوي على أخطاء بسيطة. فعلى الرغم من غياب بعض المعلومات، يستطيع العقل استكمال المعنى بسرعة، ليس لأن هناك مركزًا يتولى هذه المهمة، وإنما لأن عدداً من الشبكات العصبية تعمل في الوقت نفسه لتكوين صورة متماسكة عما يقرأه الإنسان أو يسمعه.

وقدمت دراسات تصوير الدماغ دعمًا إضافيًا لهذه الفكرة، خاصة تلك التي تناولت الموسيقيين القادرين على الارتجال. فقد أظهرت النتائج أن الإبداع الموسيقي لا يعتمد على منطقة واحدة داخل الدماغ، بل على تغير مستمر في طريقة تواصل الشبكات العصبية مع بعضها بعضًا.

فعندما يعزف الموسيقي وفق قواعد محددة، تنشط الشبكات المسؤولة عن التخطيط والتقييم وضبط الأداء. أما عندما ينتقل إلى الارتجال الحر، فيتغير نمط النشاط العصبي، وتزداد مشاركة الشبكات المرتبطة بالإحساس والسمع والحركة، وهو ما يسمح بظهور أفكار موسيقية جديدة بصورة تلقائية.

وتشير هذه النتائج إلى أن الإبداع لا يصدر عن مركز واحد، وإنما يولد من التعاون المستمر بين أنظمة دماغية متعددة، يتغير دور كل منها بحسب طبيعة المهمة التي يؤديها الإنسان.

ويرى الباحثون أن الإنسان يميل بطبيعته إلى الاعتقاد بأن شخصيته تتمثل في الجانب التنفيذي من الدماغ، لأنه المسؤول عن التخطيط واتخاذ القرارات. لكن هذا الجانب ليس سوى جزء من منظومة أوسع تضم شبكات مسؤولة عن الذاكرة، والإحساس، والانتباه، والخيال، والاستجابات العاطفية، وجميعها تشارك في تشكيل أفكارنا وسلوكنا.

ولهذا فإن الأفكار لا تنبع من مكان واحد، وإنما تتشكل باستمرار من تفاعل الذكريات، والخبرات السابقة، والإحساس بالجسد، والبيئة المحيطة، والانفعالات، والمعلومات التي يستقبلها الدماغ في كل لحظة.

ويؤكد العلماء أن طريقة التفكير تختلف أيضًا باختلاف الشبكة العصبية النشطة في الدماغ. فعندما ينشغل الإنسان بإنجاز مهمة محددة، تزداد سيطرة الشبكات التنفيذية التي تساعده على التركيز وتحقيق الأهداف. أما خلال أحلام اليقظة أو التأمل أو استرجاع الذكريات، فتنشط شبكات أخرى مسؤولة عن التخيل وربط الخبرات ببعضها، وهي العمليات التي ترتبط غالبًا بالإبداع واكتشاف الأفكار الجديدة.

ومن هنا، يرى الباحثون أن المرونة الفكرية لا تتحقق من خلال الاعتماد على أسلوب واحد في التفكير، وإنما من خلال قدرة الدماغ على الانتقال بين شبكاته المختلفة، والاستفادة من إمكانات كل منها وفقًا للموقف الذي يواجهه الإنسان.

وفي النهاية، تقودنا هذه الأبحاث إلى إعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها عقولنا. فالأفكار ليست أوامر تصدر من مركز خفي داخل الدماغ، وإنما هي حصيلة حوار دائم بين شبكات عصبية متعددة تعمل معًا في تناغم معقد. وربما يكون هذا الفهم الجديد هو المفتاح لتطوير الإبداع، وتحسين التعلم، واكتشاف قدرات العقل البشري التي ما زال العلم يكشف أسرارها حتى اليوم

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21335

موضوعات ذات صلة

قوّى رئتيك واتبع هذه النصائح لحمايتها من الأمراض

ريهام سليم

فصل عام لطلاب مدرسة بالإسكندرية لإهانتهم معلمه

اسماء ابوبكر

المتحف المصري الكبير في سباق جديد نحو غينيس

هدير عادل

فوز المتحف المصري بأفضل مشروع على مستوى العالم

المحرر

الآثار تفتح تحقيقا بشأن تشوية جدران مقبرة سقارة

المحرر

قراءة في كتاب “المسرح والذكاء الاصطناعي”

ولاء فتحي