منوعات

قراءة في كتاب “المسرح والذكاء الاصطناعي”

 

يمثل كتاب “المسرح و الذكاء والاصطناعي” للدكتور أحمد مجدي إضافة مهمة إلى حقل الدراسات المسرحية المعاصرة، إذ يتناول العلاقة المتنامية بين الفن الأدائي والتقنيات الذكية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. ولا يتعامل المؤلف مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد أداة تقنية، بل بوصفه فاعلًا معرفيًا يعيد تشكيل بنية العرض المسرحي، ويعيد توزيع الأدوار بين المؤلف والمخرج والممثل والمتلقي، بما يدفع إلى إعادة التفكير في مفاهيم الإبداع والذات الإنسانية وحدود الفعل الفني.

يقع الكتاب في 242 صفحة، موزعة على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. وتلفت الانتباه كثرة العناوين الفرعية، إذ يضم الفصل الأول وحده خمسة وعشرين عنوانًا. غير أن هذا التشعب لا يعكس تشتتًا في الطرح، بقدر ما يكشف عن وعي منهجي بطبيعة الموضوع المركبة، التي تتطلب تفكيك الإشكاليات الكبرى إلى وحدات تحليلية أصغر تتيح الإحاطة بأبعادها النظرية والتطبيقية.

تبدأ المقدمة بإطلالة تاريخية سريعة، تنطلق من مسرحية “ربوتات روسو العالمية” لكارل تشابيك عام 1921، بوصفها من أوائل النصوص التي استشرفت فكرة الآلة الذكية، مرورًا بتوظيف التقنيات الرقمية والخرائط الإسقاطية، وصولًا إلى الواقعين الافتراضي والمعزز، ثم حضور الروبوتات على الخشبة، وانتهاءً بالذكاء الاصطناعي بوصفه أحدث أدوات التجريب الفني. وفي هذا السياق، يثير المؤلف جملة من الإشكاليات المتعلقة بالأصالة والإبداع والتحيزات البرمجية ومستقبل الوظائف البشرية.

يفتتح الفصل الأول بسؤال محوري ” هل تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي كتابة مسرحية؟” وهو سؤال يتجاوز البعد التقني إلى مساءلة مفهوم التأليف ذاته. فمن خلال تحليل نماذج لكتابة نصوص مسرحية بمساعدة الذكاء الاصطناعي أو بوساطته، يكشف المؤلف إمكانات هذه الأنظمة وحدودها، متوقفًا عند الفارق بين النص بوصفه بنية قابلة للتوليد الخوارزمي، وبين الكتابة باعتبارها تعبيرًا عن خبرة إنسانية معقدة.

أما الفصل الثاني، المعنون بـ”عندما يتقابل الذكاء الاصطناعي مع المسرح الارتجالي”، فينتقل إلى فضاءات الأداء الحي، متسائلًا: هل يمكن للآلة أن تؤدي دورًا مسرحيًا وتتفاعل مع الممثل البشري؟ ومن خلال تحليل تجارب ارتجالية متعددة، يتوقف المؤلف عند تجربة الروبوت “أليكس” من فرقة “إمبروبوتيكس”، موضحًا الفروق بين الروبوت والذكاء الاصطناعي، ومؤكدًا أن نجاح العروض المرتكزة على التكنولوجيا يظل رهينًا برؤية فنية قادرة على تحقيق الانسجام بين الأداء والتقنية.

وفي الفصل الثالث، يتناول المؤلف تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز عبر تحليل تجربة عرض “حلم” المستوحى من “حلم ليلة صيف” لشكسبير، حيث يتحول المتلقي من مشاهد سلبي إلى مشارك فاعل في إنتاج المعنى. ويكشف هذا التوظيف عن مسرح جديد تتداخل فيه الحدود بين الحقيقي والافتراضي، ويصبح التفاعل شرطًا أساسيًا لتشكيل التجربة الجمالية.

في المحصلة، يقدم أحمد مجدي عملًا نقديًا متوازنًا يجمع بين التنظير والتطبيق، ويطرح رؤية تستشرف مستقبل المسرح بوصفه فنًا قادرًا على التكيف مع الثورة الرقمية دون أن يفقد خصوصيته، داعيًا إلى فهم العلاقة بين الإنسان والتقنية بوصفها علاقة تشابك وإعادة تعريف مستمرة للإبداع ذاته.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20785

موضوعات ذات صلة

زلزال منتصف العمر

أيمن مصطفى

هل الاستماع إلى كتاب صوتي يُضاهي متعة القراءة؟

ولاء فتحي

حكاية شتاء يهمس بالجمال

أيمن مصطفى

وكالة USAID الأمريكية تبحث تنمية السياحية بالإسكندرية

المحرر

مصر وأبطال التحدي.. قصة تمكين

أيمن مصطفى

الأقمار الصناعيه تكشف مدينة أثرية بمحافظة الشرقية

المحرر