
“إلى الذين لم يُكتب لهم أن يكبروا… لكنّهم كانوا أكبر من الحرب، إلى العصافير التي وُلدت في القصف، وتعلّمت بين أزيز الطائرات، وزفرات الأمهات. إلى القلوب الصغيرة التي أضاءت هذا الليل الطويل، كأنها شموع تصرّ على أن النور… لا يُقصف”.
منحت الأديبة الفلسطينية د.زينات أبو شاويش هذا الإهداء في أحدث مجموعاتها القصصية “أطفال يحرسون الضوء” والصادرة عن دار “روافد”، إلى أطفال غزة الذين التهمت الحرب تفاصيل حياتهم بدفئها ومرحها، وأحالت سماءهم وشوارعهم لأفواه جديدة للموت، فإذا بهم ينسجون الحياة بأدوات لهوهم البريء، وينقشون على جدار الغيم أمانيهم وأسماءهم لتحفظهم ولو طواهم الغياب!
القصص القصيرة تحمل إيقاع الومضة وكأنها تواجه طلقات الحرب التي لا تدع مجالا للمكوث الطويل وتجبرنا على الركض من أجل النجاة. كتبت “ابوشاويش” القصص بنفس شعري ومعجم يلائم الطفولة بلا تكلّف، وصور متتابعة تقترب من حياة الأطفال اليومية وتأرجحهم بين الحياة والموت داخل مخيمات النزوح.
رسائل طفل المخيّم
منحت الكاتبة أبطال قصصها أسماء وجعلتهم ينقشونها في السماء كي لا تضيع قصتهم للأبد. ربما ذرفت نهر الدموع وأنت تقرأ حكاية كل طفل وكأنها تنكأ جرحك المفتوح أمام فداحة حرب الإبادة. وكأن القصص صفعة من الألم والأمل معًا. لم تختر الكاتبة أن تعكس آلة الحرب ولكنها وجهت المرآة للأطفال لنرى انعكاسها عليهم، وكيف يرون العالم بعيونهم وبقلب أمهاتهم.
سنرى الطفلة يارا تحمل قلما أزرق فهو لون السماء والحرية والبحر لا الأرض المغمورة بالدماء. وحين يطلب منها المعلم رسم بيت، ترسم جناحًا، وتبكي. وفي قصة أخرى لخيمة قد تكون قريبة هناك أم تمسّد جسد صغيرها بزيت الوداع قبل أن يحتضنها صامتا للأبد. وأمام إحدى الخيمات سنرى طفلة كلما سارت تفتحت الورود الحمراء وأزهرت فوق الأرض وفي عيون الشهداء. وعلى مقربة منها نشاهد طفا يجمع شظايا قنينة فارغة ويلصقها ويضع فيها شمعة كي يهزم عتمة الحرب.
حين تستشهد أم إحدى الأطفال تحدّق الصغيرة في مرآة مكسورة لتشاهد أمها كل صباح. وحين تشتاق أخرى لمدرستها التي تهدف ترن جرسا صغيرا. وحين يشتاق طفل لأخيه الشهيد يرسل رسائله إليه في بالون أبيض، أما الأم فحين تشتاق تصلي على سجاة مغمورة برائحة ابنها أو تمسك خصلة من شعره أضاءتها الشمس! هنا وأمام كل هذا سنرى كيف يغدو اليقين والحلم بابا للهروب من طاحونة الحرب.
تتكرر تيمة الفقد وغياب معناه في وعي الطفل، فنرى في قصة “ساعة أبي” طفلة تلمّع زجاج ساعة كان يرتديها أبيها الشهيد وتتخيل أن دوران عقاربها دليل أنه حي. وهنا نقرأ ختام القصة “جوري لا تعرف أن الموت لا يوقف الساعات… بل يوقف القلوب فقط”.
احيانا يكون الطفل باستشهاده هو بطل محنة الفقد، كما سنرى في “العصفور الرمادي” الذي حمل الرسالة نيابة عن صاحبه الذي صمت للأبد. أو في قصة “المطر الذي تأخّر” وتقول فيها الطفلة يارا: “إذا نزل المطر، نغسل حزننا، ولم ينزل المطر، لكن في صباح بعيد، حين اشتعلت السماء من جديد، هطلت القنابل على الخيام، فخرجت يارا تصفق، وتضحك، وتقول: انظري يا أمي. المطر عاد! ربما يكون ساخنا قليلا، ثم غابت خلف الغبار، وظل الدلو ممتلئا بالصمت!
إن الضوء الذي يحرسه الأطفال هو براءة عالمنا وأمله في غد يحرسه نقاؤهم الفطري من موجات التوحش العالية.

أنسنة سردية فلسطين
في ندوة شهدها “أتيليه القاهرة” مؤخرًا، لمناقشة المجموعة، ذرفت الكاتبة دمعها، وقالت أن التدوين زمن الحرب هو سلاح المقاومة الذي يملكه الكاتب. ومن يجد فلسطينيا عليه أن يحتضنه في أي مكان بالعالم. فلم يحدث في التاريخ الانساني أن شهدت أي مدينة هذه المجازر. والمؤسف أننا نجد أنه حتى أرقى جامعات بريطانيا لا تشعر أنهم مدركون لحق الفلسطينيين في أرضهم، ويتحدثون فحسب عن حقهم في الحياة، وكأننا نعيش أزمة كبرى في الوعي والضمير.
وتحدث ناجي الناجي، الروائي والمستشار الثقافي لسفارة فلسطين بالقاهرة، مؤكدا ان الكتابة عن حرب الإبادة عملٌ شاق، وهو جزء لا يتجزأ من النضال. وقال أن نصوص تلك المجموعة تمتاز بالتكثيف واللغة الشاعرية وقدرتها على الوصول لكل أطفال العالم.
وأقرّ “الناجي” بأن أطفال فلسطين ملهمون بصلابتهم وقدرتهم على حياكة الأمل، والتي معها يتحرج الكاتب من أن يصبح هشًا أمام أحزانه على ضحايا الحرب وما خلفته من دمار. دائمًا كان الأدباء الفلسطينيون هم الأقرب لضمير الشعوب لتعريف العالم بقضية فلسطين وكشف الاحتلال.
كشف “الناجي” أيضا عن جمود السردية العربية أمام سرديات أخرى تروج لها الصهيونية وتعمل بلا هوادة على تزييف الوعي، فالصهيونية لديها دهاء البروباجاندا؛ وقد روّجوا لأسيرهم “شاليط” لتصبح قصته قريبة من الرأي العام وتتشكل حلقات ضغط، حتى وصل الأمر لمباريات كرة القدم، في المقابل لدينا عشرة آلاف أسير يتعرضون للقتل والتعذيب الوحشي في سجون الاحتلال ولا يعرف عنهم العالم شيئا، أما أخطر ما فعلناه أننا حولنا شهداءنا وجرحانا وأسرانا لمجرد “أرقام” جافة في نشرات الأخبار!
بدوره، اعتبر الشاعر والناقد شعبان يوسف أن القصص تستعيد فن القصة الومضة الذي كتبه عمالقة الأدب تحت عنوان “قصة في دقيقتين” بمجلة “صباح الخير”، ولكننا هنا امام نص أشبه بالشعرية الرائقة، خاصة وأن الاديبة سبق لها كتابة الشعر العمودي والصوفي، وهو ما يذكرنا بفؤاد حداد الذي يغرف من مياه جوفية عذبة بإبداع رائق ومعجم غني، أو بنية رباعيات جاهين.
صياغة أحلام الأطفال
وقالت الشاعرة عزة رياض مديرة اللقاء أن زينات أبو شاويش كتبت ما يشبه قصيدة النثر بعذوبتها وحداثتها في مجموعتها القصصية، والتي جسدت مشاعر الطفولة في زمن الحرب. أما الأديبة ضحى عاصي فوصفت النصوص بالدفقات الشعورية التي غيرت حالتها بمجرد قراءتها، وجعلتها تتوقف أمامها متأملة هذه القدرة على صياغة أحلام الأطفال وكيف تتغير زمن الحرب؛ فقد صنع هؤلاء الأطفال ألعابهم من مخلفات الحرب والإطارات والفوارغ، وكأنهم طاقة حياة في وجه الموت.
وعبرت كلمات الدكتورة عواطف عبد الرحمن، أستاذ الصحافة، عن امتنانها لروح “أبوشاويش” التي تجمع الدأب في الدراسة الإعلامية والحقول التي تكشفها لطلابها بوصفها محاضرة بارزة، إلى جانب تمكنها الأدبي وإبحارها الصوفي الإشراقي وبحثها عن تنمية النفس إيجابيا، وكأنها حلقات متواصلة تكمل بها نضالها لأجل فلسطين والإنسان.
..
في ختام المجموعة القصصية، كتبت زينات أبوشاويش: هكذا يتكلم أطفال غزة، بصوت لا يسمعه إلا من وضع قلبه على الأرض، في وجوههم حزن الأنبياء، وفي ضحكاتهم بقايا من نشيد قديم اسمه الصبر، كل قصة منهم شمعة في فم الليل، وكل دمعة تفتح نافذة في جدار الغيم. هم لا يموتون، بل يتحولون إلى نجوم تضيء على مآذن المدينة، وتقول للعالم هنا كنا أطفالا… ومازلنا نحرس الحلم.
اقرأ أيضا: الإعلام الناعم يعيد تشكيل الرأي العام
