سليدرمنوعات

عاشوراء في مصر.. رحلة عيد عبر العصور

يحمل يوم عاشوراء مكانة خاصة في الوجدان المصري، فهو مناسبة دينية ارتبطت عبر القرون بطقوس وعادات متنوعة، امتزجت فيها الموروثات الشعبية بالتقاليد الدينية وبينما يعرفه المسلمون باعتباره اليوم العاشر من شهر المحرم، تكشف بعض الدراسات والروايات التراثية عن جذور أقدم للاحتفال به داخل مصر، ما يجعل عاشوراء نموذجًا فريدًا لاستمرار العادات والتقاليد عبر العصور.

أصل العيد

يرتبط يوم عاشوراء في الوعي الإسلامي بذكرى نجاة سيدنا موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وهو اليوم الذي أوصى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بصيامه. كما اكتسب أهمية خاصة لدى بعض المذاهب الإسلامية لارتباطه بذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه في معركة كربلاء عام 61 ه.

وفقًا لروايات عدد من الباحثين في التراث المصري، فإن الاحتفال بيوم يشبه عاشوراء كان معروفًا لدى المصريين القدماء منذ الدولة القديمة، حيث ارتبط بموسم البذر والزراعة. وكان القمح يحتل مكانة رمزية كبيرة باعتباره رمزًا للخير والخصوبة واستمرار الحياة.

ومن هنا ظهرت أطعمة تعتمد على القمح والحبوب، في مقدمتها ما يشبه طبق “العاشوراء” المعروف حاليًا، إلى جانب البليلة وبعض أنواع الكعك المصنوع من القمح وعسل النحل. وتُظهر هذه الطقوس مدى ارتباط الاحتفالات الزراعية القديمة بمظاهر الحياة اليومية لدى المصريين.

العصر الفاطمي

ومع دخول العصر الفاطمي، اكتسب عاشوراء طابعًا رسميًا في مصر، لكنه اتخذ شكلًا مختلفًا عن الاحتفالات المعتادة. فقد كان يومًا للحزن وإحياء الذكرى، حيث تُغلق الأسواق وتتعطل بعض الأنشطة، ويتجمع الناس للاستماع إلى المنشدين والوعاظ.

وبعد إنشاء المشهد الحسيني بالقاهرة، أصبح المكان نقطة رئيسية لتجمع المحتفلين، حيث ارتبطت المناسبة بإحياء ذكرى الإمام الحسين وما تمثله من رمزية دينية وتاريخية.

التحول الأيوبي

غير أن المشهد تبدل في العصر الأيوبي، إذ اتجهت الاحتفالات إلى إظهار الفرح والسرور، وأصبحت الأسر تحرص على إعداد الأطعمة والحلوى والتوسع في الإنفاق على الأبناء خلال هذا اليوم.

وانتقلت هذه المظاهر إلى العصور التالية، لتتحول عاشوراء من مناسبة يغلب عليها الحزن إلى يوم يرتبط بالبهجة والاحتفال داخل المجتمع المصري.

احتفالات المماليك

بلغت احتفالات عاشوراء ذروتها في العصر المملوكي، حيث كانت تبدأ منذ مطلع شهر المحرم وتستمر حتى اليوم العاشر. وشهدت تلك الفترة مواكب رسمية وولائم عامة وتلاوات للقرآن الكريم، إضافة إلى مجالس الإنشاد الديني التي كانت تحظى بحضور واسع من مختلف فئات المجتمع.

كما اعتُبر اليوم أحد المواسم المهمة التي تجمع بين المظاهر الدينية والاجتماعية، حيث تُوزع الصدقات على الفقراء وتُقام الموائد العامة في أجواء احتفالية كبيرة.

عادات شعبية

وعلى الرغم من تغير الأزمنة، احتفظ المصريون بعدد من العادات الشعبية المرتبطة بعاشوراء. ومن أبرزها شراء البخور وتبخير المنازل، وهي عادة ارتبطت بمعتقدات شعبية تتعلق بالحماية من الحسد وجلب البركة.

كما انتشرت خلال فترات تاريخية معينة حكايات وأساطير شعبية ارتبطت بهذا اليوم، بعضها اندثر مع مرور الزمن، بينما بقي بعضها الآخر حاضرًا في بعض المناطق الريفية والشعبية.

البليلة والعاشوراء

وتظل البليلة وطبق العاشوراء أشهر ما يميز هذه المناسبة حتى اليوم. ويُصنع الطبق أساسًا من القمح المسلوق مع اللبن والسكر، ويُزين أحيانًا بالمكسرات والزبيب وجوز الهند، ليصبح أحد أشهر الأطباق التراثية المرتبطة بشهر المحرم.

وقد حافظ هذا الطبق على حضوره في البيوت المصرية جيلاً بعد جيل، باعتباره جزءًا من ذاكرة شعبية وثقافية متوارثة.

تعكس قصة عاشوراء في مصر قدرة المجتمع المصري على الاحتفاظ بعاداته وتطويرها عبر الزمن. فمن الاحتفالات الزراعية القديمة إلى المناسبات الدينية الإسلامية، ومن المواكب الرسمية في العصور الوسطى إلى أطباق العاشوراء والبليلة في البيوت المعاصرة، ظل هذا اليوم شاهدًا على تفاعل التاريخ والدين والتراث الشعبي في تشكيل الهوية المصرية

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20937

موضوعات ذات صلة

باسم سمرة يشيد بأحمد مالك بعدما طالبه بالتواضع

أحمد عاشور

وخزة إبرة.. تنقذ قلبك وحياة الآخرين

سارة الدسوقى

مدير «القاهرة للدراسات»: حرب إيران إعادة صياغة للاقتصاد

أيمن مصطفى

إسحاق بندري يُحاور “هشاشة الجسد”

أيمن مصطفى

تخريج دفعة جديدة بمعهد ديديموس بحضور البابا تواضروس

إسحاق يوسف فرج

كشف سر نجاح بيراميدز في ٢٠٢٥

محمد عطا