ثقافة وأدبسليدر

نورين أحمد: هكذا صدرنا خفة الدم المصرية إلى العالم

في اليوم العالمي للنكتة، نحتفل بالضحك كأقدم لغة مشتركة بين البشر، لكن تظل النكتة المصرية حالة فريدة وعصية على التقليد؛ فهي صنيعة الشارع، وابنة الارتجال، وتحمل في طياتها شفرات ثقافية وخفة ظل لا يفهمها سوى من تشرّب روح هذا المجتمع. لطالما اعتقد الكثيرون أن الكوميديا المحلية بامتياز، مثل إفيهات السينما المصرية، غير قابلة للتصدير أو السفر عبر اللغات، وأنها تفقد روحها بمجرد خروجها من سياقها العامي.

لكن وفي قلب قاعات قسم اللغات والترجمة بكلية الآداب جامعة القاهرة، قررت أربع طالبات الاحتفال بالضحكة المصرية بطريقتهن الخاصة؛ ليخضن مغامرة في مشروع تخرجهن بترجمة فيلم “لا تراجع ولا استسلام”. لم يكن الهدف مجرد نقل عبارات شخصية “حزلقوم” وحواراته الشائكة من لغة إلى أخرى، بل كان الرهان على ترجمة الإحساس بالبهجة ذاته ونقل الهوية المصرية إلى المتلقي الأجنبي؛ ليضحك العالم معنا لذات الأسباب.

في هذا الحوار مع نورين أحمد، إحدى صانعات العمل، وبمناسبة يوم النكتة العالمي، تبحر “صوت البلد” معهن في كواليس تفكيك الإفيه المصري، وتحديات صياغة الكوميديا لثقافات مغايرة، وكيف يتحول المترجم إلى جسر إنساني يثبت أن الفن والضحك قادران على إذابة الفروق بين الشعوب.

ما الدافع وراء اختيار فيلم “لا تراجع ولا استسلام” تحديدًا؟

فكرة المشروع نابعة من رغبتنا في تقديم الثقافة المصرية بشكل مختلف ومميز للأجانب عبر بوابة الفن. وقد وقع اختيارنا على فيلم “لا تراجع ولا استسلام” لكونه واحدًا من أنجح وأشهر الأعمال الكوميدية التي تركت بصمة لا تُنسى لدى الجمهور المصري؛ فهو عمل قريب من الناس ويعتمد كليًا على اللغة العامية والتعبيرات الشعبية العفوية التي تعكس خفة ظل الشارع المصري. لم يكن هدفنا مجرد ترجمة كلمات أو جمل، بل نقل الإحساس والروح الكوميدية بطريقة تجعل المتلقي الأجنبي يتفاعل مع المشهد ويفهم سبب ضحكنا، فالكوميديا في رأينا ليست مجرد لغة، بل هي ثقافة كاملة.

سائح معزول

كيف ولدت الشرارة الأولى للمشروع؟

الفكرة ولدت من موقف حقيقي عاينته إحدى زميلاتنا في ردهة أحد الفنادق؛ حيث كان هناك سائح أجنبي يجلس وبجواره مجموعة من المصريين يشاهدون فيلمًا لشخصية “حزلقوم”. كان المصريون يضحكون ويتفاعلون بشدة مع الأحداث، بينما كان السائح ينظر إليهم دون فهم، ويبدو معزولًا تمامًا عن هذه الحالة المبهجة المحيطة به. من هنا تساءلنا: لماذا لا نكون نحن الجسر الذي يجعل الأجانب يعيشون التجربة نفسها، ويفهمون الكوميديا المصرية بنفس الطريقة والعمق اللذين يفهمهما بها المواطن المصري؟

لماذا تم اختيار شخصية “حزلقوم”، رغم وجود خيارات كوميدية أخرى قد تبدو أسهل لغويًا؟

لأن شخصية “حزلقوم” تعتمد على عبارات وتركيبات لغوية معقدة وشديدة المحلية؛ فغالبية “إفيهاته” لا يفهمها سوى المصريين، وهذا التحدي هو ما جذبنا. لم نكن نبحث عن نص سهل أو ترجمة تقليدية، بل أردنا اختبار قدراتنا وتطبيق ما درسناه في تحدٍ حقيقي يمس عمق الثقافة الشعبية.

من القائمات على هذا العمل؟

فريق من طالبات قسم اللغات والترجمة بكلية الآداب جامعة القاهرة، هن: نورين أحمد حسن، آية سليمان، شهد عمر سيد، وسلمى رأفت.

شفرات الإفيه

ما طبيعة التحديات التي واجهتكم أثناء العمل على تفكيك “الإفيه” المصري وسياق الشارع؟

واجهتنا تحديات ضخمة؛ فشخصية حزلقوم تتحدث بأسلوب مفرط في المحلية وسخرية مركبة، مثل طريقة وصفه الكوميدية للأشياء كحديثه عن الحقيبة السوداء وتفاصيلها المضحكة، أو الأمثال الشعبية المستخدمة في سياق هزلي. هذه التعبيرات ليس لها أي مقابل مباشر بالإنجليزية، وشعرنا بالعجز أمامها في البداية. لكن بفضل المناهج الأكاديمية التي درسنا إياها في الكلية، والتي علمتنا كيفية تفكيك النص الثقافي، وبدعم وتوجيه مستمر من أساتذتنا بالقسم، تمكنا من حل هذه الشفرات وصياغتها بأسلوب ذكي ومفهوم.

مشاهد من الفيلم

هل اعتمدتم على إيجاد مكافئ ثقافي أم أعدتم صياغة النكتة بأسلوب يفهمه الأجنبي دون تغيير الهوية المصرية للمشهد؟

رفضنا تمامًا فكرة التغريب أو استخدام المكافئ الغربي؛ لأن هدفنا الأساسي هو نقل الهوية والثقافة المصرية كما هي. ما فعلناه هو إعادة صياغة الإفيه بأسلوبنا الإبداعي الخاص، بحيث يستوعب الأجنبي المغزى الفكاهي والسياق المجتمعي الكامن وراء الكلمات، ويتعرف على نمط تفكيرنا كمصريين، ولكن باللغة والصيغة اللتين يفهمهما عقله دون الإخلال بأصل المشهد.

كوميديا عالمية

البعض يرى أن الكوميديا المصرية محليّة الصنع ولا يمكن تصديرها للخارج لخصوصيتها الشديدة. كيف يغير مشروعكم هذه الصورة النمطية؟

مشروعنا جاء ليرد عمليًا ويؤكد أن السينما والكوميديا المصرية قادرتان على الوصول للعالم كله إذا قدِّمتا بترجمة واعية وصحيحة تفهم روح الشارع. المترجم لا ينقل كلمات جافة، بل ينقل مشاعر وثقافة وهوية شعب كامل. نحن نريد للسائحين أو الأجانب المهتمين بثقافتنا أن يضحكوا معنا في نفس اللحظة ولنفس الأسباب، ليكون الفن والضحك وسيلة تواصل حقيقية تذيب الفروق بين الشعوب.

بعد هذه التجربة الموفقة، ما خطوتكم القادمة؟

طموحنا الحالي هو أن ينتشر مشروعنا ويصل لأكبر عدد من الناس ليروا الفارق الذي تصنعه الترجمة الاحترافية للكوميديا. نتمنى بالطبع أن تتبنى الجهات الرسمية والصناّع مبادرات مماثلة لترجمة روائع السينما المصرية ومنحها صبغة عالمية. وعلى المستوى الشخصي، نتمنى إن شاء الله أن يفتح لنا هذا المشروع أبوابًا وفرص عمل حقيقية في هذا المجال الذي شغفنا به وعشنا كواليسه.

اقرأ أيضًا:

أحمد عادل: قبل “الست” صنع زكريا أحمد مجدًا مسرحيًا

حنظلة.. طفل حافٍ واجه الاحتلال بظهره

محمد عطوة: كل أسطورة تنتظر راويًا يعيد بعثها

نجم للشباب: اكسروا غاركم وابحثوا عن يثربكم الخاصة

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22219

موضوعات ذات صلة

الإسكندرية: حملات مكثفة لإزالة البناء المخالف

أيمن مصطفى

محمد عطوة: كل أسطورة تنتظر راويًا يعيد بعثها

سارة الدسوقى

رمضان في محطته السابعة

أيمن مصطفى

أحمد عز: شخصيتي في «سفن دوجز» تشبهني

أحمد عاشور

العدد 60 لـ«المسرح».. وجبة نقدية وفكرية دسمة

أيمن مصطفى

تل الكوع يعيد رسم الحياة في عصر الهكسوس

هدير عادل