سليدرمنوعات

في مكتبة الإسكندرية.. 1353 حلماً جديداً يبدأ من هنا

الإسكندرية تستقبل 1353 حلماً جديداً

في الإسكندرية، حيث يلتقي البحر بالتاريخ، تقف مكتبة علمت الدنيا كيف تكون المعرفة بيتاً. هناك كان الصباح مختلفاً. قاعة كبرى تفتح أبوابها لوجوه شابة، تحمل رهبة البداية وفرحة الوصول. 1353 معلماً ومعلمة يدخلون لأول مرة، لا كطلاب، بل كحملة رسالة.

لم تكن القاعة مجرد مكان للاحتفال. كانت تشبه مدرسة كبيرة، تضم في لحظة واحدة كل التخصصات، وكل الأحلام، وكل البيوت التي انتظرت هذا اليوم.

قاعة تتلألأ

منذ اللحظة الأولى، كان الإحساس مختلفاً. المقاعد مرتبة بعناية، والإضاءة هادئة، والهواء يحمل رائحة الكتب والورق الجديد. كل معلم يجلس في مكانه، يمسك بيده دعوة الحفل، وينظر حوله، يحاول أن يصدق أنه أصبح أخيراً معلماً.

شابة صغيرة تجلس في الصف الأول، تضم حقيبتها إلى صدرها، وكأنها تضم سنوات من المذاكرة والسهر. شاب يقف عند الباب، يلتقط صورة للقاعة بهاتفه، ليرسلها إلى أمه في القرية، ويقول لها: وصلت.

في تلك القاعة، لم يكن أحد غريباً عن أحد. كان الجميع يتشاركون نفس الحلم، ونفس القلق، ونفس السؤال الذي يتردد في العقول: هل سأكون معلماً جيداً؟ هل سأستطيع أن أغير حياة طفل؟

ومكتبة الإسكندرية، بكل ما تحمله من رمزية، كانت تمنح الإجابة قبل أن يبدأ الاحتفال. فالمكان نفسه يقول للجالسين: أنتم الآن جزء من تاريخ طويل من المعرفة، وأنتم الآن من سيكتب فصله القادم.

وجوه جديدة

الدفعة الخامسة لم تكن مجرد رقم في كشوف التعيين. كانت إضافة حقيقية لمنظومة تعليمية كاملة، تحتاج إلى دماء جديدة، وإلى عقول تؤمن أن التعليم ليس وظيفة، بل رسالة.

1353 معلماً ومعلمة، بمختلف التخصصات، يتوزعون على مدارس الإسكندرية، من برج العرب إلى أبو قير، ومن العامرية إلى المنتزه. كل واحد منهم سيقف غداً أمام فصل، وسيواجه عشرات العيون التي تنتظر منه كلمة، ومعلومة، وابتسامة، وأملاً.

الجميل في المشهد، أن الوجوه الجديدة لم تكن تبحث عن المناصب. كانت تبحث عن البداية. بداية حقيقية، في محافظة أنهت إجراءات استلام العمل للمعلمين الجدد بالكامل خلال 48 ساعة فقط، لتكون الأولى على مستوى الجمهورية في سرعة الإنجاز، ولتقول للمعلم: مكانك محفوظ، ودورك بدأ.

في القاعة، كانت هناك معلمة تحمل طفلها الصغير على كتفها، جاءت به ليشهد أول يوم لها كمعلمة. وكان هناك معلم مسن نسبياً، قرر أن يبدأ من جديد، بعد سنوات من الانتظار. وكان هناك شباب تخرجوا حديثاً، يحملون في هواتفهم خططاً لدروسهم الأولى.

ثم جاءت اللحظة التي سكت فيها الجميع، حيث وقف 1353 معلماً ومعلمة، في وقت واحد، في مشهد لا يتكرر كثيراً. وقفوا جميعاً، ورفعوا أيديهم، ورددوا القسم المهني.

كان الصوت واحداً، لكن القلوب كانت مختلفة. كل قلب كان يعاهد نفسه على شيء. واحد يعاهد على الأمانة، وآخر على الإخلاص، وثالث على أن يكون قدوة، ورابع على أن يزرع في طلابه حب الوطن والقراءة والانتماء.

القسم لم يكن كلمات تُقال وتُنسى. كان عهداً أمام مدينة كاملة، وأمام مكتبة شهدت على حضارات، وأمام أجيال لم تولد بعد، ستصل إلى هؤلاء المعلمين بعد سنوات، وستتذكرهم.

في تلك اللحظة، تحول الاحتفال من مناسبة رسمية إلى لحظة إنسانية خالصة. دمعت عيون، وارتجفت أصوات، وابتسم الجميع، لأنهم أدركوا أنهم لم يعودوا وحدهم. أصبحوا جزءاً من جيش من المعلمين، مهمته أن يبني الإنسان قبل أن يبني المباني.

بداية الرحلة

خرج المعلمون من القاعة، ولم يخرجوا كما دخلوا. دخلوا كخريجين يبحثون عن عمل، وخرجوا كحملة رسالة، يعرفون أن المعلم ليس من ينقل المعرفة فقط، بل من يربي، ويغرس القيم، ويبني الشخصية، ويكتشف الموهبة، ويشجع على القراءة والتعلم المستمر.

في الخارج، كان كورنيش الإسكندرية يستقبلهم بنسمات البحر. كانوا يمشون في مجموعات، يتحدثون عن مدارسهم الجديدة، وعن أول حصة، وعن أول طالب سيقابلونه. واحدة تقول لزميلتها: سأبدأ أول حصة بقصة. وآخر يقول لصديقه: سأجعل طلابي يحبون القراءة قبل أن يحبوا الدرجات. هكذا تبدأ الحكايات الكبيرة دائماً. من قاعة، ومن قسم، ومن 1353 حلماً.

ومن مكتبة الإسكندرية، التي احتضنت هذا اليوم، يبدأ فصل جديد في تعليم الإسكندرية. فصل عنوانه: المعلم أولاً، والطالب دائماً، والمستقبل يبدأ من هنا.

كان الحضور نفسه حكاية أخرى. ففي مقدمة القاعة، جلس المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، بين المعلمين الجدد، لا كمسؤول يفتتح احتفالاً، بل كأب يستقبل أبناءه الجدد في بيتهم الكبير. وإلى جواره، كان الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، يحتضن الحدث في بيته الذي يعرف قيمة الكتاب والمعلم، ويفتح أبوابه كل يوم لكل من يبحث عن المعرفة. وبينهما، كان الدكتور عربي أبو زيد، مدير مديرية التربية والتعليم بالإسكندرية، يتابع بعين المعلم القديم، وعين المسؤول الذي يعرف أن هذه الدفعة ليست مجرد أرقام في كشوف التعيين، بل هي مستقبل مدارس كاملة. حولهم، امتلأت القاعة بقيادات التربية والتعليم، ومديري الإدارات التعليمية، ونقيب الصحفيين بالإسكندرية، وعدد كبير من المعلمين والمعلمات وأسرهم،

في مشهد واحد يقول إن الإسكندرية كلها كانت حاضرة في هذا اليوم. لم يكن الحدث احتفالاً عابراً، بل كان لحظة التقاء بين محافظة تؤمن أن التعليم هو بوابتها للمستقبل، ومكتبة تؤمن أن المعرفة هي رسالتها الخالدة، ومديرية تعليم تؤمن أن المعلم هو قلب العملية كلها. وعندما خرج الجميع من القاعة، كان كل واحد منهم يحمل في ذاكرته صورة واحدة: محافظ يقف بين معلميه، ومدير مكتبة يفتح لهم أبواب المعرفة، ومدير تعليم يضع بين أيديهم أمانة الأجيال القادمة. من هنا، من مكتبة الإسكندرية، بدأت الحكاية، وبها ستستمر، ما دام هناك معلم يقف أمام طلابه، وطفل يفتح كتابه لأول مرة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=28133

موضوعات ذات صلة

الكنيسة القبطية تبدأ صوم الميلاد

حازم رفعت

البابا تواضروس والبطريرك برثلماوس: صلاة مشتركة

حازم رفعت

ترامب يربك إسرائيل باتفاق مرتقب مع إيران

المحرر

على طاولة البرلمان..التغذية والتقييم والدمج

محمود كرم

مدير مستشفى الثدي: الطبيب يقود .. والذكاء الاصطناعي يدعم

مروة رزق

الاتحاد الشبابي يضع الشباب على خريطة التمكين

المحرر