
تُعدّ تجارب الاقتراب من الموت موضوعًا يحظى باهتمام علمي وأكاديمي متواصل منذ خمسين عامًا، وهي حالات وعي عفوية وغير عادية يتذكرها ما بين 10% و18% من الأشخاص الذين اقتربوا من الموت وتتضمن هذه التجارب عدة سمات يمكن التعرف عليها سريريًا، منها: ضوء ساطع أو غير عادي، شعور بالانفصال عن الجسد، مشاعر عاطفية جياشة كالشعور بالسلام أو النشوة، تغيرات في إدراك الزمن، تفاعلات مع كائنات غير مادية، وعوالم أو مناظر طبيعية غريبة على الرغم من وجود العديد من النظريات المطروحة، لا يزال هناك غياب للتوافق في الآراء حول أسباب تجارب الاقتراب من الموت، حيث تتراوح التفسيرات بين خلل بسيط في وظائف الدماغ خلال لحظاته الأخيرة، وصولاً إلى أدلة على وجود وعي غير موضعي.
وبينما يطرح فهم الأساس العصبي الفيزيولوجي لتجارب الاقتراب من الموت تحدياتٍ فريدة، لا سيما لصعوبة دراستها في ظل ظروف مضبوطة، فقد رصدت الأبحاث باستمرار مجموعة متنوعة من الآثار النفسية والروحية والجسدية التي تعقب هذه التجارب، بما في ذلك التغيرات المرتبطة بالنوم. في مقالهم المنشور عام 2024 في مجلة “دريمنج”، يستكشف ليندسي وزملاؤه كيف يمكن لتجارب الاقتراب من الموت أن تؤثر على الأحلام. تبحث دراستهم في العلاقة بين هذه التجارب وخصائص الأحلام المختلفة، وتستكشف ما إذا كانت التغيرات التي أبلغ عنها الناجون من هذه التجارب ناتجة عن التجربة نفسها أم عن الصدمة المصاحبة للاقتراب من الموت.
قارن الباحثون ثلاث مجموعات من المشاركين: أولئك الذين مروا بتجارب الاقتراب من الموت في سياق موقف يهدد حياتهم (مجموعة تجارب الاقتراب من الموت، ن = ١٣٨)، وأولئك الذين مروا بموقف يهدد حياتهم ولكن دون الظواهر الذاتية المميزة لتجارب الاقتراب من الموت (مجموعة غير تجارب الاقتراب من الموت، ن = ٤٥)، وأولئك الذين لم يمروا قط بحدث يهدد حياتهم (المجموعة الضابطة، ن = ١٢٩). أشارت النتائج إلى وجود فروق دالة إحصائيًا، مع تأثيرات كبيرة بين المجموعات في معظم متغيرات الأحلام
ومن الجدير بالذكر أن مجموعة تجارب الاقتراب من الموت أبلغت عن تكرار أعلى لظواهر الأحلام غير المألوفة، مثل الأحلام الواعية، والأحلام الاستباقية، وتجارب الخروج من الجسد أثناء النوم. في حين أن الأحلام الأكثر وضوحًا ووعيًا ارتبطت سابقًا بأحداث حياتية صادمة أو مرهقة، كشفت التحليلات أن هذه التجارب كانت مرتبطة في المقام الأول بتجربة الاقتراب من الموت نفسها وليس بأعراض الصدمة. علاوة على ذلك، كلما كانت تجربة الاقتراب من الموت “أعمق” أو أكثر تعقيدًا، زادت التغيرات المبلغ عنها.
تشير النتائج إلى أن تجارب الاقتراب من الموت قد تُفضي إلى تحولاتٍ عميقةٍ في الوعي، تتجاوز التجربة المباشرة وتستمر بعدها. ويبدو أن هذه التجارب غير المألوفة المرتبطة بالنوم تتضمن وظائف معرفية عليا، تشمل وعيًا ذاتيًا مُعززًا وقدرة على ضبط النفس، وهي قدرات لا تتوفر عادةً أثناء الأحلام العادية. تُسهم هذه الدراسة في مجموعة متنامية من الأبحاث التي تُشير إلى أن التجارب العميقة، مثل تجارب الاقتراب من الموت، يُمكن أن تُخلّف آثارًا دائمة على الوعي والإدراك، تمتد من حالة اليقظة إلى عالم الأحلام.
