منوعات

كيف نتعلم أن نفكر بصورة أفضل لنعيش بصورة أفضل؟

في العقود الأخيرة، أصبح علم النفس المعرفي السلوكي أحد أكثر الاتجاهات النفسية تأثيراً وانتشاراً في العالم،وقد تجاوز دوره حدود العيادات النفسية ليصل إلى المدارس والمستشفيات ومؤسسات العمل وحتى تطبيقات الصحة الرقمية، فما الذي يجعل هذا التوجه يحظى بكل هذه المكانة؟

يقوم علم النفس المعرفي السلوكي على فكرة بسيطة لكنها عميقة ليست الأحداث وحدها هي التي تحدد مشاعرنا وسلوكياتنا، بل الطريقة التي نفسر بها تلك الأحداث فعندما يواجه شخصان الموقف ذاته، قد يشعر أحدهما بالثقة بينما يغرق الآخر في القلق، والسبب يكمن في الأفكار والتفسيرات التي يبنيها كل منهما.

تعود الجذور السلوكية لهذا التوجه إلى أعمال عالم النفس الأمريكي جون واطسون ثم بورهوس سكينر، اللذين ركزا على التعلم وتعديل السلوك، أما الجانب المعرفي فقد ارتبط باسم الطبيب النفسي الأمريكي آرون بيك، الذي يُعد المؤسس الأبرز للعلاج المعرفي السلوكي الحديث، إلى جانب عالم النفس ألبرت إليس صاحب العلاج العقلاني الانفعالي، وقد نجح هؤلاء في دمج دراسة الأفكار مع فهم السلوك، مؤسسين منهجاً علاجياً قائماً على الأدلة العلمية والتجريب.

ومن أشهر تقنيات هذا الاتجاه إعادة البناء المعرفي، حيث يتعلم الفرد التعرف إلى أفكاره التلقائية السلبية واختبار مدى صحتها واستبدالها بتفسيرات أكثر واقعية. وهناك أيضاً التعرض التدريجي المستخدم في علاج الرهاب والقلق، إذ يواجه الشخص مخاوفه بصورة آمنة ومنظمة حتى تتراجع استجاباته الخائفة كما تُستخدم التجارب السلوكية لاختبار المعتقدات غير الدقيقة في الحياة اليومية، إلى جانب تدريب مهارات حل المشكلات، وتقنيات الاسترخاء والتنفس، وتنشيط السلوك الذي يشجع الأشخاص المصابين بالاكتئاب على استعادة الأنشطة ذات المعنى والمتعة.

وتتجاوز فوائد هذا المنهج علاج الاضطرابات النفسية التقليدية؛ فهو يُستخدم في علاج الاكتئاب واضطرابات القلق ونوبات الهلع والوسواس القهري واضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات الأكل والإدمان والأرق المزمن كما وجد طريقه إلى برامج إدارة الألم المزمن، وتحسين الالتزام بالعلاج لدى المرضى، والتدريب على المهارات الاجتماعية، والتأهيل النفسي للأطفال والمراهقين، وبرامج تعزيز الرفاه النفسي في بيئات العمل.

ولعل أهم ما يميز علم النفس المعرفي السلوكي أنه لا يكتفي بتخفيف الأعراض، بل يزود الإنسان بمجموعة من الأدوات العملية التي يمكنه استخدامها مدى الحياة. فهو يعلمنا أن الأفكار ليست حقائق مطلقة، وأن السلوك قابل للتعلم والتغيير، وأن المرونة النفسية مهارة يمكن اكتسابها بالممارسة.

في عالم تتسارع فيه الضغوط والتحديات، يبدو علم النفس المعرفي السلوكي أكثر من مجرد أسلوب علاجي؛ إنه دعوة إلى فهم الذات بموضوعية أكبر، وإلى إدراك أن تغيير الطريقة التي نفكر بها قد يكون الخطوة الأولى نحو تغيير الطريقة التي نعيش بها

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20799

موضوعات ذات صلة

بركة رمضان.. “الجُندي الخفي” الذي يهزم المنطق المادي

أيمن مصطفى

مكافآت مقابل النفايات.. ثورة شبابية لإنقاذ البيئة

سارة الدسوقى

مصر تبهر فرنسا بجناح افتراضي يروي حضارتها

المحرر

روشتة السعادة في أولى خطوات “الميثاق الغليظ”

أيمن مصطفى

مصر.. ضمن أفضل 5 وجهات للسفر الفردي في 2025

المحرر

أول يـنـايـر.. عـقـد جـديـد مـع الـنفس

أيمن مصطفى