ثقافة وأدبسليدر

أحمد الصغير: الشعر لا يستعير الفنون بل يصهرها

ليس الشعرُ في جوهره إلا كائنًا حيًا يرفض الإقامة في القوالب الجاهزة؛ يمتصُّ من تحولات العصر مادتَه، ويعيد صهر العالم داخل لغته الخاصة. وحين تفتح القصيدة المعاصرة نوافذها ليتسلل منها إيقاع الرواية، وحركة المسرح، وضياء اللقطة السينمائية، فإنها لا تتنازل عن هويتها، بل تعيد تعريف كينونتها كفضاء كوني يتسع لكل الفنون دون أن تفقد سرّ وجودها.

حول هذه الجدلية الجمالية الشائكة، يأتي كتاب “تداخل الأجناس الأدبية في القصيدة العربية المعاصرة” المتوّج بجائزة الشيخ باشراحيل في فرع النقد الأدبي، ليزيل الجدران الصارمة بين الأنواع الإبداعية. يتجاوز الأحكام المسبقة ليقارب النصوص من مسافة العشق والمساءلة، متسائلًا بوعيٍ مغاير: كيف تحوّل تداخل الأجناس من مجرد تجريب شكلي أو استعارة خارجية إلى طاقة بنيوية تعيد تنظيم المعنى داخل جسد القصيدة العربية الحديثة؟

في هذا الحوار، تبحر “صوت البلد” مع د. أحمد الصغير، أستاذ الأدب العربي، في تفاصيل رؤيته النقديّة، وكواليس مشاريعه القادمة ..

نبارك لكم الفوز بجائزة باشراحيل؛ كيف استقبلتم هذا التتويج، وماذا يعني لكم؟

أسعدني الفوز كثيرًا لأنه جاء احتفاءً بكتابٍ أؤمن بفكرته وشغلتني قضاياه سنوات طويلة. الباحث بطبيعته لا يفكر في الجوائز بقدر ما ينشغل بالسؤال العلمي، لكن عندما يأتي التقدير من مؤسسة ثقافية مرموقة، فإنه يمنح صاحبه شعورًا بأن جهده قد وصل إلى من يقدِّره. وقيمة هذه الجائزة تمتد لتشجيع النقاد على مواصلة مشاريعهم العلمية التي تتطلب صبرًا ومثابرة، كما أن اقترانها باسم الشاعر الكبير عبد الله باشراحيل يمنحها قيمة أدبية ورمزية خاصة أعتز بها كثيرًا.

آلية التداخل

تشغل قضية تداخل الأجناس النقاد منذ عقود؛ ما الإضافة الإبداعية التي رغبتم في تقديمها للمكتبة النقدية العربية من خلال كتابكم؟

في تصوري، لا تكمن أهمية قضية تداخل الأجناس الأدبية في كونها ظاهرة جديدة، بل في تحولها إلى سمة جوهرية تميز القصيدة العربية الحديثة منذ منتصف القرن العشرين. لقد شهدت القصيدة تحولات عميقة؛ فلم يعد الشاعر يكتفي بأدواته الموروثة، بل انفتح على السينما، والمسرح، والسرد، والفنون البصرية، وحتى الخطابات الفلسفية واليومية.

من هنا شعرتُ أن الظاهرة تستحق قراءة مختلفة لا تكتفي برصد الحضور، بل تفكك الأسباب والوظائف الجمالية. معظم الدراسات العربية السابقة تعاملت مع التداخل كـنتيجة للحداثة الشعرية، دون الإجابة عن أسئلة أكثر جوهرية، مثل: ماذا أضاف هذا التداخل لبنية القصيدة نفسها؟ وكيف غيّر طريقة إنتاج المعنى داخل النص؟ هل كان مجرد استعارة تقنيات، أم أصبح جزءًا من هوية التجربة الشعرية؟

لقد ركزتُ في الكتاب على تحليل آلية عمل هذا التداخل؛ فالقصيدة الحديثة لم تستعر السرد لتروي حكاية، ولم تستدعِ المسرح لتكتب مشهدًا، بل أعادت صهر هذه التقنيات داخل منطق شعري خاص، ليفقد العنصر الدخيل وظيفته الأصلية ويكتسب وظيفة شعرية جديدة. فالقصيدة العربية المعاصرة فضاء مفتوح للحوار بين الفنون، لا ساحة للصراع؛ إنها تستوعب الآخر دون أن تذوب فيه، وتستعير منه لتعيد تشكيله وفق قوانينها الخاصة.

وللانتقال من الشعارات النقدية العامة إلى التطبيق، ركّزت الدراسة على النصوص مباشرة، عبر تحليل حضور البنية السردية وتجليات الحوار والمشهد المسرحي، وتوظيف اللغة البصرية وتقنيات المونتاج السينمائي، وأثر هذا التداخل في بناء الإيقاع وتشكيل الرؤية؛ لإثبات أن هذه العناصر جزء من النسيج العضوي للقصيدة وليست مجرد حِليات خارجية.

الانفتاح الإبداعي

على ضوء هذه القراءة التطبيقية؛ ما أبرز النتائج النقديّة والجمالية التي خلصت إليها دراستكم لبنية القصيدة العربية؟

لعل النتيجة الأبرز هي أن القصيدة العربية الحديثة لم تعد تُبنى على مفهوم النقاء الأجناسي القديم، بل على مفهوم الانفتاح الإبداعي. هذا الانفتاح ليس أزمة هوية، بل دليل عافية وحيوية تؤكد قدرة الشعر على امتصاص التحولات وتحويلها داخل لغته الخاصة لإنتاج دلالات جديدة.

تمثلت إضافة الكتاب في الانتقال من إثبات التداخل إلى البحث في جمالياته، ومن وصف الظاهرة إلى تفسيرها، ومن الجمع النظري الصرف إلى المعايشة التطبيقية للنصوص.

هوية الشعر

القصيدة العربية المعاصرة، خاصة قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، أصبحت تستعير تقنيات السرد والتشكيل والسينما؛ هل ترون أن هذا التداخل يثري الشعر أم يذيب هويته؟

الإجابة تتوقف على فهمنا لطبيعة الشعر؛ فإذا كنا ننظر إليه بوصفه قالبًا مغلقًا بأدوات ثابتة، فمن الطبيعي أن يبدو الانفتاح تهديدًا لهويته. أما إذا أدركنا أن الشعر فن حي يستوعب التحولات الثقافية، فإن تداخل الأجناس يصبح دليل حيوية لا مظهر أزمة.

تاريخيًا، لم يكن الشعر العربي معزولًا، فالقصيدة التراثية تداخلت مع الحكاية والخطابة والتاريخ. لكن هذا التداخل اكتسب اليوم أبعادًا جديدة مدفوعة بظهور الفنون الحديثة كالسينما والمسرح والرواية، واتساع خبرة الشاعر بها، فلم يعد الشاعر معنيًا بالدفاع عن نقاء الجنس الأدبي بقدر انشغاله بالبحث عن لغة تتسع لتجربة إنسانية معقدة ومشتبكة.

المشكلة إذًا ليست في الاستعارة، بل في كيفية التوظيف القصيدة لا تكتسب شعريتها لمجرد أنها تضم حكاية أو مشهدًا، بل بقدرتها على تحويل هذه العناصر إلى طاقة شعرية جديدة، فالسرد في القصيدة لا يؤدي وظيفة الرواية، بل يكثف الرؤية ويعمق الدلالة، والمشهد السينمائي لا يُستدعى لمحاكاة الفيلم، بل ليمنح الصورة بعدًا بصريًا وحركيًا مؤثرًا.

وهذا التحول بنيوي وليس شكليًا؛ فكبار شعراء الحداثة لم يستعيروا هذه التقنيات كزخرفة، بل لأن القصيدة الحديثة غادرت الغنائية الخالصة، وباتت تميل إلى المشهدية، وتعدد الأصوات، وتجاور الأزمنة والضمائر.

نحن بحاجة للحديث عن تمثّل الفنون الأخرى لا استنساخها؛ فالتمثّل فعل إبداعي يعيد صهر المادة، بينما الاستنساخ مجرد نقل خارجي. في المقابل، لا يمكن إنكار سقوط بعض التجارب في فخ التقليد، فتحولت نصوصها إلى مجرد سرد مقطّع أو وصف تشكيلي أفقد الشعر ميزاته الكبرى: التكثيف والمجاز والإيحاء. وهنا لا نلوم التداخل، بل نلوم غياب الوعي بحدوده ووظيفته.

الفنون التي تنغلق على نفسها تتحول إلى قوالب جامدة، والقصيدة العربية المعاصرة في أجمل نماذجها لم تتخلَّ عن هويتها، بل أعادت تعريفها في ضوء أسئلة العصر. لذا، أرى أن المستقبل لن يكون للنصوص التي تتقوقع خلف النقاء الأجناسي، بل للنصوص التي تحقق التوازن الدقيق بين الانفتاح والخصوصية. نصوص تطوّع السينما والمسرح والتشكيل لإنتاج شعر جديد، لا لتكون بديلًا عنه؛ فالشعر في النهاية ليس مجرد تقنيات، بل هو طريقة فريدة لرؤية العالم.

مرونة الحدود

ما أبرز التقنيات التي وجدتم حضورها أكثر تأثيرًا في القصيدة المعاصرة، هل يعني هذا التداخل أن مفهوم الجنس الأدبي في طريقه للتلاشي؟

 التقنيات السردية مثل بناء الحدث، وتعدد الأصوات، وإدارة الزمن هي الأكثر حضورًا، تليها المشهدية المسرحية والمونتاج السينمائي. واللافت أن هذه العناصر لا تعمل منفصلة، بل تتمازج لإنتاج بناء نصي مركب. أما عن تلاشي الجنس الأدبي، فلا أظن ذلك؛ فالأجناس ما زالت قائمة ولكنها لم تعد قوالب مغلقة أو جامدة. نحن لا نعيش نهاية الأجناس الأدبية، بل نعيش زمن مرونة الحدود وظهور نصوص حرة قادرة على محاورة كافّة الأجناس الفنية مع الاحتفاظ بهويتها الإبداعية المستقلة.

البيئة الداعمة

حققتم في مسيرتكم العديد من الجوائز المرموقة، كيف ترون أثر البيئة الأكاديمية في هذا النجاح؟

الجوائز الحقيقية هي التي تدفع الباحث للمزيد من المسؤولية، وأنا أعتز بما حققته سابقًا كجائزة الطيب صالح العالمية، وجائزة صحار، وجوائز خيري شلبي، والأبنودي، وإحسان عبد القدوس، وجائزة التميز العلمي بجامعة الوادي الجديد. وهنا أود أن أؤكد أن النجاح، وإن كان ثمرة جهد فردي، فإنه يحتاج إلى مؤسسة حاضنة توفر المناخ الملائم. ومن هنا أتوجه بخالص امتناني لجامعة الوادي الجديد وبيئتها المشجعة، ممثلة في الأستاذ الدكتور عبد العزيز طنطاوي رئيس الجامعة، والأستاذ الدكتور عاطف عبدالعزيز، عميد كلية الآداب، والأستاذ الدكتور محمد عبدالسلام، والأستاذ الدكتور أحمد فاروق، نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث، على دعمهم الكريم الذي يعين الباحث على مواصلة العطاء العلمي والتجدد الإبداعي.

بعد الكتاب والجائزة، ما المشروع النقدي الذي تعملون عليه حاليًا؟

لا أحب الوقوف طويلًا عند إنجازٍ مضى، فالكتاب الناجح يفتح أسئلة جديدة. أعمل حاليًا على عدة مشاريع متوازية؛ أولها دراسة حول “الاستعارات العرفانية في قصيدة النثر” لقراءة الشعر في ضوء اللسانيات العرفانية، بجانب مشروع عن “تحولات اللغة الشعرية في القصيدة العربية الحديثة”. وعلى المسار التطبيقي، أشتغل على دراسات تخص تجارب شعرية مميزة، مثل: شعرية البكاء عند محمد عفيفي مطر، وقصيدة الرؤيا عند حلمي سالم، والشعرية البصرية عند رفعت سلام. وجميع هذه المشروعات تصب في اهتمامي الأساسي بتحولات القصيدة العربية الحديثة، ومحاولة قراءة جمالياتها من زوايا نقدية جديدة.

 

اقرأ أيضًا:

الروائي محمد عبد العال: المنتصر يكتب التاريخ

شيماء مجدي: حين تهتز السلطة تولد الذكورة التعويضية

الشاعرة ياسمين صلاح: هذا “أول ما رآه الطين”

الجبوري: هذا ما يختبئ خلف مجاز القصيدة العربية

جاد الكريم: “قمر تأكله الأيام”.. حكايات البشر بقبضة الزمن

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21391

موضوعات ذات صلة

اختتام فعاليات الدورة الـ26 لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام اليوم

شيخون جمال

براءة تحت التهديد

أيمن مصطفى

نور القرآن يضيء «المنارة»

أيمن مصطفى

الهيئة البرلمانية للوفد ترفض التشكيل الوزاري الجديد

محمود كرم

رمضان في مصر.. أيقونة التلاحم والوحدة الوطني

حازم رفعت

أطلس رقمي لحماية التراث المغمور

هدير عادل