رياضةسليدر

المواهب الرياضية.. “بورصة” مصر لصناعة الأبطال

تخطت الرياضة عالمياً حدود المنافسة البدنية والأنشطة الترفيهية، لتتحول إلى صناعة ثقيلة ومحرك اقتصادي رئيسي يدر تريليونات الدولارات بفضل عوائد البث والرعاية وحقوق التسويق. وفي ظل توجه مصر نحو تعظيم الاستفادة من رأس المال البشري، أعلنت وزارتا الاستثمار والشباب والرياضة عن مقترح لإنشاء “صندوق تأهيل وتمكين المواهب الرياضية”، والذي يُمثل منعطفاً استراتيجياً ينقل المنظومة من ثقافة الدعم إلى فكر الاستثمار.

لتشريح الأبعاد الاقتصادية والآليات التشغيلية لهذا الصندوق، التقت جريدة “صوت البلد” بالخبير والمستشار المالي، د. عبد المنعم السيد، ليوضح لنا كيف يمكن للموهبة الرياضية أن تتحول إلى أصل استثماري يضخ عوائد مالية وتنموية في شرايين الاقتصاد القومي، حيث ينقل هذا المقترح المنظومة الرياضية من مفهوم “الدعم الحكومي الرعائي التقليدي” الذي ينهك الموازنة العامة للدولة، إلى مفهوم “الاستثمار في رأس المال البشري الرياضي”، إذ إن هذا التحول الهيكلي يعني أن الدولة لن تتحمل بمفردها الفاتورة الباهظة لاكتشاف الأبطال وإعدادهم، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام القطاع الخاص ليكون شريكاً أصيلاً في التمويل والإدارة. وبذلك، تتحول الموهبة الرياضية إلى “أصل استثماري” حقيقي، يمكن تنميته وتدويره مالياً لتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية ضخمة، تضمن استدامة هذا القطاع الحيوي وتزيد من مساهمة الرياضة بأكملها في الناتج المحلي الإجمالي.

عوائد واعدة

يؤكد الخبير والمستشار المالي، د. عبد المنعم السيد، أن هذا الصندوق يمثل تطبيقاً عملياً لنموذج قارب جداً من فلسفة “صناديق رأس المال الجريء” (Venture Capital). ولكن بدلاً من توجيه التمويل نحو الشركات الناشئة، يتم ضخه في الموهبة الرياضية الواعدة، حيث يتولى الصندوق تمويل كافة مراحل البطل من اكتشاف، تدريب، تأهيل، تغذية، ورعاية طبية ونفسية، ليسترد المستثمرون عوائدهم لاحقاً من التدفقات النقدية الناتجة عن عقود الرعاية، حقوق البث والتسويق، انتقالات اللاعبين، والجوائز المالية، وهو ما يضمن “استدامة التمويل ذاتياً”.

عبد المنعم السيد

وتتعدد العوائد المباشرة وغير المباشرة التي يضخها هذا الفكر في عروق الاقتصاد القومي؛ حيث يوضح “السيد” أن الصندوق يخلق سوقاً استثمارية بكرة ومبتكرة أمام المؤسسات المالية والشركات والأفراد الباحثين عن فرص استثمار غير تقليدية بعيدة عن النمطية العقارية أو المصرفية، مشيراً إلى أن هذا الحراك يؤدي بدوره إلى رفع القيمة السوقية للاعبين المصريين، مما يرفع حصيلة انتقالاتهم للاحتراف الخارجي ودعم الاحتياطي القومي.

وعلى الصعيد التشغيلي، يساهم الصندوق في تنشيط حزمة من الصناعات والخدمات المرتبطة بالرياضة، مثل أكاديميات التدريب، صناعة الملابس والمعدات الرياضية، التغذية العلاجية، الطب الرياضي، والتأمين الرياضي، فضلاً عن توليد آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للكوادر الفنية والإدارية والطبية وأخصائيي العلاج الطبيعي.

وعلى الجانب الاجتماعي، يشير د. عبد المنعم السيد إلى أن الصندوق يسهم في تحقيق “عدالة الفرص”؛ فالمواهب الحقيقية ليست حكراً على المدن الكبرى، بل تنتشر في جميع المحافظات. ومن خلال منظومة كشف واختبارات علمية، يمكن الوصول إلى الأطفال والشباب الموهوبين في مختلف أنحاء الجمهورية. لافتاً إلى أن هذا التمكين يوفر للشباب مساراً واضحاً لتحقيق النجاح، ويحد من التسرب الرياضي، ويقلل من الظواهر السلبية مثل البطالة والانحراف والإدمان من خلال دمج الشباب في منظومة احترافية قائمة على الانضباط والعمل، مما يرفع من كفاءة وجاذبية القوة الناعمة المصرية دولياً.

حوكمة صارمة

ومع ذلك، يضع المستشار المالي د. عبد المنعم السيد مشروطية حاسمة لترجمة هذا المقترح التنموي إلى نجاح ملموس ومستدام على أرض الواقع، مجملاً روشتة النجاح الاقتصادي في عدة محددات حاكمة، تبدأ بضرورة إرساء إدارة احترافية مستقلة يقودها القطاع الخاص وفق معايير الحوكمة والشفافية بعيداً عن البيروقراطية، توازياً مع صياغة إطار قانوني وتشريعي شديد الوضوح ينظم العلاقة وثلاثية الحقوق بين اللاعب والصندوق والمستثمرين، فضلاً عن وضع آليات عادلة ومنصفة لتوزيع العوائد المالية الناتجة بين اللاعب والصندوق والجهات المشاركة لضمان استمرار المنظومة، بالتكامل مع الاعتماد المطلق على التحليل العلمي والبيانات الرقمية والقياسات البدنية في اختيار المواهب لإغلاق الباب تماماً أمام المجاملات، وصولاً إلى إنشاء شبكة واسعة من مراكز اكتشاف المواهب في جميع المحافظات بالتعاون المباشر مع المدارس والأندية ومراكز الشباب.

إن صندوق تمكين المواهب الرياضية ليس مجرد مشروع ترفيهي، بل هو بمثابة “صناعة ثقيلة” واستثمار جريء قادر على تحويل المنظومة في مصر إلى قطاع اقتصادي إنتاجي قادر على جذب رؤوس الأموال وتحقيق قيمة مضافة، شريطة تطبيق قواعد الاستثمار الجريء بحسم وحوكمة صارمة تضمن استدامة الأرباح وصناعة الأبطال.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23223

موضوعات ذات صلة

الجحود المهني.. أزمة ذكاء اجتماعي أم صراع ثقة موروث؟

أيمن مصطفى

خروقات وانتهاكات الانتخابات البرلمانية.. من يقف وراءها؟

محمود كرم

نيللي كريم تعود في رمضان 2026 بـ”على قد الحب”

حسن عبدالعال

حامد حمدان وطموح جديد مع بيراميدز

محمد عطا

الزمالك يرتبط باسم أفشة.. حقيقة أم شائعة

محمد عطا

أغذية للوقاية من ارتفاع ضغط الدم

المحرر