سليدرمنوعات

الذكاء الاصطناعي يهدد الهوية البصرية للتراث

كشفت أزمة جداريات ميدان التحرير، وما أثارته من جدل واسع حول طريقة تصوير الملكة نفرتيتي والملك توت عنخ آمون، عن جانب جديد يتعلق بمخاطر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تناول الشخصيات التاريخية والتراثية، خاصة عند الاعتماد على مخرجاته دون مراجعة علمية من المتخصصين.

وأكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن استعانة الشباب المتطوعين بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور الشخصيات التاريخية، دون تمحيص أو مراجعة من المتخصصين، كانت أحد أسباب الأزمة، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يتأثر بالمزاعم والصور المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

مخرجات مضللة

وتظهر خطورة الأمر عندما يتم التعامل مع الصورة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي باعتبارها حقيقة تاريخية، رغم أن التقنية لا تعمل باعتبارها مرجعًا أثريًا، وإنما تنتج صورها اعتمادًا على البيانات والمحتوى المتاح لها. وفي حالة جداريات ميدان التحرير، أدى ذلك إلى ظهور تصوير للملكة نفرتيتي والملك توت عنخ آمون ببشرة سمراء داكنة وشفاه بارزة، وهو ما أثار اتهامات للشباب المتطوعين بالترويج لمزاعم الأفروسنتريك، وهي مزاعم مرفوضة على المستويات العلمية والتاريخية.

ومن هنا، تبرز ضرورة التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة، وليس بديلًا عن المتخصص، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإعادة تصوير شخصيات تاريخية أو رموز مرتبطة بالحضارة المصرية.

غياب المراجعة

وأشار ريحان إلى أن المشكلة لم تتوقف عند استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما امتدت إلى عرض الصور على غير المتخصصين في الحي، والسماح بتنفيذ الجداريات دون الرجوع إلى الجهة الرسمية المختصة بالتنسيق الحضاري.

ويطرح ذلك تساؤلًا حول آليات مراجعة الأعمال الفنية التي تنفذ في الميادين والشوارع، ومدى ضرورة إخضاع أي عمل يتناول الرموز التاريخية أو الأثرية لمراجعة علمية وفنية قبل تنفيذه.

أمثلة سابقة

وتأتي أزمة جداريات التحرير في سياق أوسع، إذ أشار رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية إلى وضع تمثال مشوه للملكة نفرتيتي في محافظة المنيا، وطالبت الحملة بإزالته، وهو ما استجاب له المحافظ.

كما أشار إلى واقعة تمثال مشوه للملك رمسيس الثاني في محافظة مطروح، حيث تمت إزالته أيضًا، قبل أن تتواصل إدارة السياحة بالمحافظة مع الحملة للاستفادة من المشورة بشأن الطرق الأنسب لتجميل المحافظة. وتوضح هذه الوقائع أن التعامل مع الرموز الحضارية لا يمكن أن يعتمد فقط على الرؤية الجمالية أو الرغبة في تجميل المدن، وإنما يحتاج إلى ضوابط علمية تحافظ على دقة الصورة التاريخية.

التنسيق الحضاري

وفي هذا السياق، يناشد الدكتور عبد الرحيم ريحان جميع المحافظين عدم تنفيذ أعمال تجميلية في المحافظات دون الرجوع إلى الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، باعتباره الجهاز الحكومي الرسمي المختص بتحقيق القيم الجمالية للشكل الخارجي للأبنية والفراغات العمرانية والأثرية، ووضع أسس النسيج البصري للمدن والقرى والمناطق الحضارية.

وأنشئ الجهاز بقرار رئيس الجمهورية رقم 37 لسنة 2001، ويتبع وزارة الثقافة، ويختص بإعادة صياغة الرؤية الجمالية لمختلف مناطق الدولة والعمل على إزالة التشوهات الحالية، إلى جانب إعداد قاعدة بيانات للمباني ذات الطابع المعماري المميز ووضع القواعد اللازمة للحفاظ عليها.

حماية الهوية

ولا تقتصر مهمة التنسيق الحضاري على المباني، بل تمتد إلى الفراغات المعمارية مثل الحدائق والشوارع والأرصفة والإنارة والألوان المستخدمة، مع مراعاة طبيعة كل منطقة والمعايير الدولية، فضلًا عن تنظيم الإعلانات واللافتات وإعادة صياغة الميادين العامة بما يتوافق مع الطابع المميز لكل منطقة.

ومن ثم، فإن أزمة جداريات التحرير تكشف ضرورة وضع ضوابط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الثقافي والتراثي، بحيث تخضع الصور والمحتويات التي تنتجها التقنية للمراجعة البشرية المتخصصة قبل تحويلها إلى أعمال فنية في الأماكن العامة.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=25050

موضوعات ذات صلة

أرتيكاريا البرد.. الحساسية الصامتة

أيمن مصطفى

زيادة جديدة في أسعار السجائر

المحرر

ذكرى ميلاد حمدي غيث… عملاق الأداء

مي صلاح

روايات “لنا عبد الرحمن”.. فضاءات من الحكي والهوية

المحرر

الزمالك يحسم خلال ساعات مصير مدربه للموسم المقبل

محمود المهدي

رئيس الانجيلية يفتتح مؤتمر “الألف خادم” بوادي النطرون

حازم رفعت