
في زاوية خافتة الإضاءة داخل إحدى الشقق القاهرية، يجلس طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، عيناه متسعتان، يداه ترتجفان فوق أزرار التحكم، ووجهه يشع بضوء أزرق باهت. في تلك اللحظة، لم يكن الطفل متواجداً في غرفته؛ كان عقله يسبح في مجرة افتراضية بعيدة، يطارد انتصاراً وهمياً يمنحه جرعة سريعة من السعادة المزيفة. خلف الباب المغلق، تقف الأم حائرة، يمزقها العجز وهي تستمع إلى صراخه المفاجئ كلما خسر جولة، أو عصبية جسده الرافض لنداء عشاء دافئ يجمعه بـ”الواقع”. هذا المشهد بات يتكرر في ملايين البيوت، ليتحول من مجرد تسلية عابرة إلى خطر صامت يهدد بنيان الأسرة المصرية.
التشريح النفسي
يضع دكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي وأمراض المخ والأعصاب، يده على الداء مفسراً هذه الظاهرة من منظور علمي دقيق، حيث يقول إن الألعاب الإلكترونية أصبحت من أكثر الوسائل جذباً للأطفال والمراهقين، لأنها تعتمد على منظومة من المحفزات النفسية والعصبية، أهمها نظام المكافأة في المخ، المرتبط بمادة الدوبامين، فالطفل عندما يحقق انتصاراً أو ينتقل إلى مستوى جديد أو يحصل على مكافأة داخل اللعبة، يشعر بالإنجاز والسعادة، فيرغب في تكرار التجربة.

ويستطرد الدكتور فرويز محذراً من ذكاء التصميم الرقمي، كاشفاً أن الخطورة تكمن في أن بعض الألعاب تُصمم بطريقة تشجع على الاستمرار لفترات طويلة، من خلال المكافآت المتكررة والتحديات والمنافسة الجماعية والخوف من فقدان التقدم الذي حققه اللاعب، وبالتالي قد تتحول اللعبة من مجرد وسيلة ترفيه إلى وسيلة للهروب من الواقع، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من الفراغ العاطفي أو ضعف التواصل الأسري أو الشعور بالفشل أو عدم التقدير.
الخطر الصامت
وفي سياق متصل، يوضح الدكتور فرويز أن هذا الانسياق وراء العالم الافتراضي لا يمر بسلام بل يترك ندوباً غائرة تتجسد في زيادة التوتر والقلق خاصة عند منع الطفل من اللعب أو خسارة المنافسة، كما يتسبب في اضطرابات النوم نتيجة السهر والتعرض المستمر للشاشات، فضلاً عن تقلبات المزاج وسرعة الاستثارة والانفعال، وتنامي أعراض الاكتئاب لدى بعض الفئات المعرضة لذلك، مع ضعف القدرة على تحمل الإحباط وتأجيل الإشباع، واللجوء المستمر إلى العالم الافتراضي للهروب من المشكلات الواقعية، مما يمهد لظهور أعراض اضطراب الألعاب الإلكترونية لدى بعض المستخدمين.
وعن الامتداد السلوكي والاجتماعي لهذه الظاهرة، يشير استشاري الطب النفسي إلى أن العصبية الشديدة عند إيقاف اللعبة تعد من أبرز المشكلات الملاحظة، يصاحبها الكذب بشأن الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الجهاز، وإهمال المذاكرة والواجبات المدرسية، وصولاً إلى الانسحاب التام من الأنشطة الاجتماعية والرياضية، وضعف التواصل والحوار مع أفراد الأسرة، وإهمال المسؤوليات والواجبات اليومية، والانغماس في العزلة والانطواء، ناهيك عن احتمال التعرض للتنمر الإلكتروني أو الاستغلال من خلال التواصل مع الغرباء.
جرس إنذار
وأمام هذا التدهور السلوكي، بادر المجتمع الطبي الدولي بالتحرك، حيث أدرجت منظمة الصحة العالمية اضطراب الألعاب الإلكترونية ضمن التصنيف الدولي للأمراض، مبرزةً ثلاثة مظاهر رئيسية تتمثل في فقدان السيطرة على مدة اللعب وتكراره، وإعطاء اللعب أولوية قصوى على الدراسة والنوم والعلاقات الاجتماعية والأنشطة الأخرى، والاستمرار في اللعب العنيف رغم ظهور أضرار واضحة على الحياة الشخصية والأسرية والدراسية.
وفي تشخيصه لمدى استجابة الأطفال لهذه المصيدة، يحدد الدكتور فرويز فئات بعينها تصبح أكثر عرضة للاستخدام الإشكالي، وفي مقدمتهم الأطفال الذين يعانون من فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو أولئك الذين يعانون من القلق والاكتئاب وضعف الثقة بالنفس، بالإضافة إلى من يتعرضون للتنمر أو الرفض الاجتماعي، أو من يعيشون وسط تفكك أسري وغياب تام للحوار والاحتواء، أو يملكون وقت فراغ طويل دون أنشطة بديلة، مع التأكيد على أن مرحلة المراهقة تتطلب اهتماماً خاصاً، بسبب التغيرات الانفعالية والاجتماعية وتطور القدرة على ضبط الاندفاعات.
طوق النجاة
ولأن المواجهة الحكيمة تبدأ من المنزل، يشدد فرويز على أن الحل ليس في المصادرة المفاجئة للأجهزة أو الدخول في معارك يومية مع الأبناء، وإنما في بناء علاقة أسرية قائمة على الحوار والاحتواء والحزم، وذلك من خلال تحديد أوقات واضحة لاستخدام الأجهزة بالاتفاق مع الطفل، ومنعها تماماً أثناء تناول الطعام والتجمعات الأسرية، مع إبعاد الأجهزة عن غرف النوم ليلاً، ووقف اللعب قبل النوم بساعة على الأقل، واختيار الألعاب المناسبة للسن والمرحلة العمرية، وتفعيل الرقابة الأبوية على المحتوى والمشتريات والتواصل مع الغرباء، مع تشجيع الرياضة والقراءة والهوايات، وأن يكون الوالدان قدوة في الاستخدام المعتدل للهواتف، دون اللجوء إليها كوسيلة دائمة لإسكات الطفل أو مكافأته.
خطة التعافي
أما في الحالات المتأخرة التي تصل إلى مرحلة الاستخدام القهري، فيرسم الدكتور فرويز خطة علاجية متكاملة تبدأ أولاً بالتقييم النفسي والطبي الشامل لمعرفة مدى تأثير الألعاب والكشف عن وجود اضطرابات مصاحبة مثل القلق والاكتئاب، تليها مرحلة العلاج المعرفي السلوكي لمساعدة الطفل على التحكم في اندفاعاته وتغيير أفكاره، ثم يأتي دور العلاج الأسري لتصحيح أساليب التواصل وإعادة بناء العلاقة مع الوالدين، بالتوازي مع تنظيم نمط الحياة من خلال النوم المنتظم والرياضة والأنشطة البديلة، وصولاً إلى علاج أي اضطرابات نفسية مصاحبة وفقاً للتقييم الطبي واستخدام الأدوية عند وجود داعٍ طبي محدد، مع ضرورة أن يكون خفض وقت اللعب تدريجياً ومنظماً وفق خطة واضحة ومتابعة مستمرة.
