ثقافة وأدبسليدر

أيقونة عابرة للأجيال.. الشعراوي وسر خلوده بوجدان المصريين

تمرّ السنوات وتتغير الأجيال، لكن يبقى صوت الشيخ محمد متولي الشعراوي يتردد في بيوت المصريين كل يوم جمعة، وقبيل أذان المغرب في شهر رمضان المبارك. لم يكن الراحل مجرد عالم دين متمكن، بل كان حالة إنسانية فريدة، وصوتًا لمس شغاف القلوب ببساطته وعمقه، محولًا الأفكار الإيمانية المعقدة إلى خواطر قريبة يفهمها الصغير والكبير، والعامي والمثقف على حد سواء.

لا يمكن تفكيك ظاهرة الإمام الشعراوي بالوقوف فقط عند حدود التفسير المبسط أو الكاريزما التلفزيونية؛ فالرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس كان ظاهرة لغوية، واجتماعية، وسياسية مرّت بأعاصير القرن العشرين، تاركًا بصمة راسخة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث.

العبقرية المبكرة

ولد محمد متولي الشعراوي في 15 أبريل 1911 بقرية “دقادوس” التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية. ظهرت عبقريته منذ الطفولة؛ حيث حفظ القرآن الكريم في الحادية عشرة من عمره. وأمام هذا النبوغ، أصر والده على إلحاقه بالأزهر الشريف بالقاهرة، ودعمه ماديًا لشراء أمهات الكتب في التفسير واللغة، ليتخرج الشيخ في كلية اللغة العربية عام 1941، وينال إجازة التدريس عام 1943.

تدرج الشيخ الشعراوي في المناصب والمهام التعليمية والدبلوماسية بين مصر والعالم الإسلامي عبر محطات بارزة، أهمها البعثات الخارجية، فقد أُعير للتدريس أستاذًا للشريعة في جامعة أم القرى بمكة المكرمة عام 1950، مما عمق صلاته بالعالم الإسلامي. كما تولى رئاسة بعثة الأزهر في الجزائر، وعمل مديرًا لمكتب شيخ الأزهر، ومديرًا لأوقاف محافظة الغربية، ووكيلًا للأزهر الشريف.

عُين وزيرًا للأوقاف وشؤون الأزهر عام 1976 في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات. وخلال فترة وزارته، أسهم في تطوير العمل الوقفي، وتصحيح المفاهيم الدينية، وبناء الوعي الرشيد قبل أن يفضل العودة إلى ساحة الدعوة الحرة.

يُعد الشيخ الشعراوي الأب الروحي لتأسيس أول بنك إسلامي في مصر (بنك فيصل الإسلامي)؛ رغبة منه في إيجاد بديل اقتصادي يتماشى مع قناعات الشارع، مما أسهم في تغيير شكل الخارطة المصرفية في المنطقة.

الخلطة الشعراوية

إن التساؤل عن سبب بقاء الشعراوي في ذاكرة وقلوب المصريين والعرب حتى اليوم يكشف عن مزيج عبقري بين العلم الغزير والموهبة الفطرية في التواصل. تميز أسلوبه بخصائص جعلته عابرًا للأزمنة. تكمن عبقرية الشعراوي الحقيقية في خلفيته الراسخة باللغة العربية؛ فلم يكن مفسرًا يترجم النصوص جمادًا، بل كان يتذوق الكلمة ويطوعها ببراعة عبر أدوات فريدة، فكان يصر على تسمية أحاديثه التلفزيونية بـ “خواطر الشيخ الشعراوي حول القرآن الكريم” تأدبًا، معتبرًا أن التفسير هو إحاطة بمراد الله تبارك وتعالى، أما خواطره فهي هبات وإشراقات إيمانية يمنحها الله لمن يشاء من عباده.

تقاسيم وجهه

امتلك قدرة استثنائية على “مصرنة” الفصحى وتبسيط بنية اللفظة القرآنية وإبراز دلالتها الصرفية والبيانية. كما تميز بهندسة صوتية ونبرة متميزة، فضلًا عن حركات يده الشهيرة وتقاسيم وجهه التي تتغير مع الوعيد والتبشير، في أداء تعليمي جاذب يشد انتباه المتلقي ويمنع تسرب الملل، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه يجلس مع والده أو جده في المنزل.

كما عُرف بوسطيته الفكرية، وعمق طرحه العلمي، وقدرته على الجمع بين أصالة التراث ومتطلبات العصر، إلى جانب مواقفه الوطنية والدعوية، وجهوده في تصحيح المفاهيم الدينية وبناء الوعي الإسلامي الرشيد.

لم يعش الشعراوي في برج عاجي، بل كان يضرب الأمثلة من الحياة اليومية والعلوم الحديثة والزراعة والتجارة، فجاء كلامه ملامسًا لهموم الإنسان البسيط ورجل النخبة على حد سواء. وقد تجلى ذلك في برنامجه التلفزيوني الشهير “نور على نور” وبرنامجه “خواطر الشعراوي” الذي عرض في أواخر السبعينيات، ليصبح موعد عرضهما حدثًا ينتظره الملايين في العالم العربي.

تكريمات الأرض

نال الإمام الشعراوي خلال مسيرته الحافلة العديد من الجوائز والتكريمات الرفيعة تقديرًا لوسطيته الفكرية وعمق طرحه، منها: وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى في مصر، والدكتوراه الفخرية من جامعتي المنصورة والمنوفية.

كما اختارته رابطة العالم الإسلامي عضوًا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، واُختير شخصية العام الإسلامية في الدورة الأولى لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم عام 1998.

تركة حية

خلّف الإمام وراءه مكتبة مرئية وصوتية ومكتوبة ضخمة، من أبرز مؤلفاتها: تفسير الشعراوي الجامع للقرآن الكريم، وكتب معجزة القرآن، والقضاء والقدر، وقصص الأنبياء، والمرأة في القرآن الكريم، والإسراء والمعراج، والحلال والحرام.

لم تكن خواطر الشيخ الشعراوي مجرد أسلوب لتفسير الآيات، بل تحولت الكثير من عباراته العفوية إلى حِكم ومأثورات خالدة تسري بين الناس مسرى الأمثال، تختزل رؤيته العميقة في الدين والسياسة والمجتمع. ومن أبرز تلك الأقوال النفيسة قوله الذي يرسخ طمأنينة اليقين والتوكل “لا تقلق من تدابير البشر، فأقصى ما يستطيعون فعله معك هو تنفيذ إرادة الله”. وفي فلسفة الثورة والإصلاح وبناء الأوطان، ترك مقولته الشهيرة التي تزن بميزان الذهب “الثائر الحق هو من يثور لهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد”. كما كان له تشخيص اجتماعي واقتصادي صارم لظاهرة الفقر لخصه في عبارته القوية “إذا رأيت فقيرًا في بلاد المسلمين، فاعلم أن هناك غنيًا قد سرق ماله”، مشيرًا بذلك إلى منع الزكاة وغياب التكافل.

وفي مقولة “لا يقلق من له أب، فكيف يقلق من له رب؟” تجلت عبقرية الشيخ في استخدام القياس الإنساني لتقريب المعنى الإيماني الغيبي؛ فإذا كان الطفل الصغير يسير في الدنيا آمنًا مطمئنًا، لا يحمل همًا لرزق أو مأوى أو حماية لمجرد أن له أبًا يرعاه ويتحمل عنه أعباء الحياة، فكيف بالإنسان المؤمن الذي يتولى أمره رب السماوات والأرض؟

لقد كان الشيخ بهمساته هذه يداوي القلق الإنساني المعاصر، ويعيد صياغة مفهوم السكينة ليكون في متناول قلب كل مؤمن، مذكرًا بأن الخوف من المستقبل أو الرزق هو خلل في اليقين بمقادير الله ورحمته.

الوفاة والخلود

في يوم الجمعة 17 يونيو 1998، ودعت مصر والعالم الإسلامي الشيخ محمد متولي الشعراوي عن عمر يناهز 87 عامًا، وشُيعت جنازته في مشهد مهيب شارك فيه الملايين من محبيه، ليُدفن في قريته بناءً على وصيته.

رحل الشعراوي بجسده، لكن إرثه لا يزال حيًا، يُعاد إنتاجه وصياغته اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة لتخاطب أجيالًا جديدة لم تولد في عهده. إن سر بقاء الشعراوي يتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي؛ لأنه قدم الإسلام بطريقة تمنح الروح طمأنينتها دون غلو أو تعقيد، لقد كانت كلماته ولا تزال، بمثابة بلسم يداوي قلق النفس ودستورًا عفويًا للتعامل مع تقلبات الحياة اليومية.

وبذلك، تحول الشيخ من شخصية تاريخية إلى جزء أصيل من الهوية السمعية والبصرية للمواطن المصري. وأصبح رمزًا لزمن تفرد بخصوصيته الإنسانية والدينية، مؤكدًا أن الصدق وبساطة التعبير هما سر الخلود في قلوب البشر.

اقرأ أيضًا:

دنشواي.. حكاية ظلم نسجت من حبال المشانق

السراج: ملحمة النار والطين لمواجهة مخططات “أسد” المسمومة

جدران تنطق بالثورة.. “قاذف الزهور” لوحة تتحدى الاحتلال

المهق.. طفرة جينية اتهمتها الشعوب بالشعوذة وأنصفها الأدب

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20518

موضوعات ذات صلة

واشنطن تعيد تشكيل حضورها فى الشرق الأوسط

ضاحى محمود

رمضان صبحي أمام أخطر اختبار في مسيرته

محمد عطا

لماذا يصر الروائيون العرب على استعادة حقبة الأندلس؟

المحرر

حاتم زغلول يكشف لـ”صوت البلد”: أسرار اختراع الواي فاي

مروة رزق

العصر الرقمي ..ضرورة لا رفاهية

أيمن مصطفى

كواليس الإطاحة بمدير الطب البيطري بالإسكندرية

أيمن مصطفى