ثقافة وأدبسليدر

شبلول: أنا صنيعة أمي والإسكندرية بطلة كتاباتي

لا يبدأ النص الأدبي لحظة خطّ الكلمة الأولى على الورق، بل يبدأ من تلك العثرات الأولى؛ من مصروفٍ صغير تُشترى به المجلات، ومن طفولةٍ تُصاغ مخيلتها بين مغامرات السندباد وأسرار الشاشات الرقمية. حين تمتد التجربة لأكثر من نصف قرن، لا تعود الجوائز مجرد تقديرٍ رسميّ، بل تتويجًا لصلابة القلم في وجه التحولات، ووفاءً لأرواحٍ رحلت وهي تحمل شغف الإبداع وأمنيات لم تتحقق.

في هذا الحوار، التقت “صوت البلد” بالشاعر أحمد فضل شبلول، الفائز بجائزة الدولة التقديرية؛ المبدع الذي تسكنه الإسكندرية ببهائها القديم كتعويذةٍ لا تزول، في رحلةٌ تُختصر في حُبّ العمل، وتتجدد في مشروعٍ ينقب داخل أسرار كلثوميات عبد الوهاب، وتبقى القراءة عنده هي المبتدأ والمنتهى.

بعد مسيرة إبداعية امتدت لنصف قرن.. كيف كانت اللحظة التي اختُصرت فيها هذه العقود الخمسة في نبأ التتويج؟

استقبلت النبأ بسعادة بالغة؛ كنت أتابع المجريات عن بُعد، حتى جاءني الاتصال الحاسِم من الكاتب الكبير الأستاذ محمد سلماوي عقب انتهاء التصويت وصدور بيان المجلس الأعلى للثقافة، إذ قال لي: مبروك يا أحمد. حينها فقط اطمأن قلبي وغمرتني الفرحة. حيث تُعد التقديرية في الآداب تتويجًا استثنائيًا لمسيرة إبداعية امتدت لأكثر من خمسين عامًا، وهي أرفع جائزة نلتها حتى اليوم.

رفقاء الطريق

خلف كل إنجاز كبير أرواحٌ حفتك بشغفها وحبها.. من هم الغائبون والحاضرون الذين تراءوا أمام عينيك لحظة إعلان الجائزة وتحب أن تهديها لهم؟

أهديه -أولًا- إلى روح أمي رحمها الله؛ كانت أول من غرس فيّ حب القراءة، وكانت تخصني بمصروفٍ يزيد عن إخوتي لأشتري ما أحب من كتب ومجلات؛ كسمير وميكي والسندباد، ومغامرات أرسين لوبين وشيرلوك هولمز.

كما أهديه إلى روح صديقي الشاعر الراحل د. فوزي خضر؛ فقد كان يتوق لنيل التقديرية بعد فوزه بجائزة التفوق عام 2020، لكنه لم يجد الجهة التي ترشحه، فمات وفي نفسه شيءٌ منها.

وأخيرًا، أهديه لحفيديّ مالك وكندة.. علّهما يقرءان كتب جدهما يومًا ما، ويعرفان أنه حصد جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2026.

الماضي والحاضر 

تتنقل بالإسكندرية بين النصوص كأنها كائنٌ حي لا مجرد جغرافيا.. كيف تصوغ المدينة ذاكرتها في وجدانك بين أصالة الماضي وتغيرات الحاضر؟

الإسكندرية حاضرة أبدًا في وجداني وعقلي؛ فهي بطلة “الماء العاشق”، وهي “صوفية الإسكندرية” في شعري، و”الإسكندرية المهاجرة” في دواوين الغربة التي كتبتها أثناء عملي بالخارج، و”الرحيمة” في روايتي، وهي الشباك المفتوح على البحر وأنا الطائر في ديوان “الطائر والشباك المفتوح”. للعروس طغيان آسر على مبدعيها وأبنائها وزوارها.

أنا أحمل “سكندريّتي” معي أينما حللت؛ وهي عروس الستينيات والسبعينيات، لا إسكندرية اليوم التي تبدلت ملامحها. لكنها مدينة دائمًا ما تجدد شبابها، وتمر الآن بمرحلة تجدد قد تصبح أجمل من الصورة التي تحتفظ بها ذاكرتي.

في زمنٍ تسرق فيه الشاشات الرقمية مخيلة الصغار.. كيف ينجو الكاتب من فخ النمطية لينفذ بأدواته إلى عقل طفل القرن الحادي والعشرين؟

الشرَك الأكبر يكمن في عدم تطوير المبدع لأدواته؛ طفل الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين ينتمي كليًا إلى العالم الرقمي. لذا، فالعقبة الحقيقية أمام الكاتب هي ألا يواكب هذا العصر، وألا يتسلح بوعي جديد وفكر حديث يخاطب عقليات جيل الشاشات التفاعلية.

أدوات النقد 

مع تداخل الوسائط السيميائية والمرئية في النص الرقمي.. هل ترى أن ذائقة الناقد العربي ومناهجه الحديثة قادرة على ملاحقة التطور الرقمي للنص الأدبي؟

لكل وسيط أدواته؛ فالنص الورقي يختلف في بنيته عن النص الرقمي، وبناءً عليه يجب أن تتطور الأدوات النقدية. هناك نصوص تعتمد كليًا على تقنيات النشر الرقمي حيث لا تكون الكلمة هي العنصر الوحيد، بل تتقاطع معها وسائط وسيميائيات أخرى؛ وإذا لم يكن الناقد ملمًا بهذه التقنيات الشريكة في النص، فلن يستطيع تفكيكه أو نقده بنجاح.

حب العمل

إذا أردنا اختزال المحرك الأساسي لشغفك طوال هذه السنوات في مقولة أو بوصلة فكرية.. فما البوصلة التي وجهت مسيرتك؟

 “أَحِبَّ ما تعمل.. حتى تعمل ما تحب”.

أمام تنافس الأجيال الجديدة في النشر والظهور.. ما الركيزة الأولى التي تجعل من الموهبة الشابة مشروعًا أدبيًا رصينًا؟

القراءة، ثم القراءة، ثم القراءة.. قبل الإقدام على أي محاولة للكتابة.

بعد محطة التقديرية.. ما العنوان الجديد الذي تراهن عليه في خطوتك القادمة؟

أعمل حاليًا على كتاب بعنوان “كلثوميات عبد الوهاب”؛ أتناول فيه بالتحليل الأدبي والفني والنقدي -عبر مناهج متعددة- الأغنيات العشر التي لحنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب لكوكب الشرق أم كلثوم.وهي ثماني أغنيات عاطفية: “أنت عمري” و”أنت الحب”، و”أمل حياتي” و”فكروني”، و”هذه ليلتي”، و”دارت الأيام”، و”أغدًا ألقاك”، و”ليلة حب”، إلى جانب قصيدتين وطنيتين هما: “على باب مصر”، و”أصبح عندي الآن بندقية”.

اقرأ أيضًا:

يوسف نوفل: الشللية قتلت النقد ووصلنا لاستئجار نقاد بالمال

أحمد عبد الفتاح: حولت معاناتي لبحث يخدم المكفوفين

حسين سعيد: “غصنُ السماءِ” يُعيد للمسرح نبضهُ الشعري

عبد الكريم الحجراوي: السرد يصنع أساطير المغامرين

يونس أبو سبع: “ضبابٌ يا أبي” استجارة من القسوة

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23518

موضوعات ذات صلة

جامعة بني سويف: قافلة لخدمة أهالي بني ماضي

سلوي عمار

د. أحمد عفيفي: الرقمنة تهدد اللغة العربية

المحرر

تفاصيل خطة وزارة الزراعة للنهوض بمراكز تجميع الألبان

المحرر

رئيس الإنجيلية: الكنيسة تواجه تحولات العصر 

حازم رفعت

أقراط ذهبية نادرة في كشف أثري ب هليوبوليس

نجوى سليم

رسائل النصب تنتشر.. كيف نواجهها تقنيًا؟

مروة رزق