ثقافة وأدبسليدر

كنز مارينا الأثري

في كشف أثري وتاريخي جديد يعيد رسم الخارطة السياحية والثقافية للساحل الشمالي الغربي لمصر، نجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في إزاحة الستار عن فصول جديدة ومثيرة من تاريخ مصر القديمة.

الكشف الجديد الذي تم إعلانه بمدينة مارينا العلمين الأثرية لم يكن مجرد عثور على لقى أثرية عابرة، بل جاء بمثابة توثيق حي لمدينة ساحلية متكاملة قاومت عوامل الزمن والرمال لتبوح بأسرارها الدفينة بعد قرون من الصمت.

وقد نجحت البعثة الأثرية المصرية في تحقيق إنجاز أثري غير مسبوق عبر اكتشاف 18 مقبرة أثرية جديدة، إلى جانب عدد كبير من الدفنات السطحية، والتوابيت الضخمة، واللقى الأثرية النادرة التي تعود لعصور تاريخية متعاقبة، حيث إن هذا الكشف الاستثنائي يرفع إجمالي المقابر المكتشفة في هذه المنطقة الواعدة منذ بدء أعمال التنقيب الأولى عام 1986 إلى 44 مقبرة، مما يرسخ مكانة الموقع كأحد أبرز الشواهد الحية على عظمة المدن الساحلية القديمة المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط.

ليوكاسبيس القديمة

لتذوق القيمة الحقيقية لهذا الكشف، لا بد من العودة إلى الجذور الجغرافية والتاريخية للموقع؛ فمدينة مارينا العلمين الأثرية تقع على بعد نحو 100 كيلومتر غرب مدينة الإسكندرية العريقة، ويجمع علماء الآثار والمؤرخون على أنها تمثل مدينة ليوكاسبيس الشهيرة، وهي الحاضرة الاستراتيجية التي خلّد ذكرها الجغرافي اليوناني الشهير سترابون في موسوعاته التاريخية. ولقد عاشت هذه المدينة أوج ازدهارها ونشاطها العمراني والاقتصادي الممتد من العصر الهلنستي وصولاً إلى العصر البيزنطي، وبلغت ذروة عنفوانها الحضاري وتأثيرها التجاري خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد.

وكان لصدفة بحتة عام 1986، أثناء أعمال التشييد والإنشاءات الأولية بمنتجع مارينا، الفضل في وضع هذا الكنز تحت مجهر علماء الآثار، ومنذ ذلك التاريخ، تحولت المنطقة إلى ورشة عمل مفتوحة للحفائر والدراسات العلمية الواسعة، لتثبت الأيام أنها واحدة من أفضل المدن الساحلية القديمة حفظاً في مصر والعالم، وتضم الحاضرة القديمة شبكة طرق وشوارع هندسية منظمة، ومنازل سكنية، ومنشآت عامة لإدارة شؤون المجتمع، وميناءً بحرياً نشطاً، ومناطق تجارية صاخبة بالبضائع، بالإضافة إلى جبانات واسعة تروي بتنوعها الحضاري والثقافي قصة الامتزاج الفريد الذي ميّز مدن الساحل المصري خلال العصرين الهلنستي والروماني.

الهوية الثقافية

وفي قراءة رسمية لأبعاد هذا الحدث، أكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن هذا الكشف الأثري يمثل إضافة علمية وتاريخية على غاية من الأهمية، موضحاً أن المعطيات الجديدة تسهم بشكل مباشر في فك شفرات الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان مدينة مارينا العلمين القديمة، وتتيح للمتخصصين إعادة تقييم دورها التاريخي كمركز حضاري وثقافي استراتيجي ربط بين قلب الدولة المصرية والعالم المتوسطي القديم.

وأضاف وزير السياحة والآثار أن الوزارة تولي اهتماماً فائقاً ودعماً مستمراً لأعمال الحفائر العلمية الممنهجة بالموقع تمهيداً لتهيئة المنطقة وافتتاحها بالكامل أمام الزائرين من مصر ومختلف دول العالم، مشيراً إلى أن هذا التحرك يأتي في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى إدخال منتج سياحي ثقافي جديد ومبتكر إلى منطقة الساحل الشمالي، يدمج بتناغم فريد بين السياحة الشاطئية والترفيهية التي تشتهر بها المنطقة، والسياحة الأثرية المعرفية، مما يطيل من أمد الموسم السياحي هناك ويجتذب شرائح جديدة من السائحين المهتمين بالتراث الإنساني.

التطوير الهندسي

وفي سياق متصل، كشف د. هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، عن المخطط الهندسي والتطويري الشامل الذي يجري تنفيذه لتأهيل الموقع أثرياً وسياحياً، حيث أوضح أن مشروع التطوير المتكامل لا يقتصر على صيانة الآثار فقط، بل يمتد ليشمل بنية تحتية سياحية متطورة تضم إنشاء مركز متطور للزوار لتوفير الشرح والمعلومات التاريخية بالوسائط التكنولوجية، وتهيئة مسارات مخصصة ومريحة للمشاة وسيارات الجولف الكهربائية الصديقة للبيئة لضمان سهولة الحركة، بجانب تشييد مخزن متحفي متكامل ومقر إداري لإدارة الموقع بكفاءة، وإقامة مسرح مفتوح لاستضافة الفعاليات الثقافية والفنية في أجواء تاريخية ساحرة.

وتوقع د. هشام الليثي أن تنتهي كافة أعمال التطوير والإنشاءات الهندسية خلال النصف الأول من العام المقبل، لتتحول مارينا العلمين رسمياً إلى وجهة سياحية وأثرية متكاملة الخدمات تليق بمكانة مصر الدولية.

مقابر صخرية

من جانبه، غاص محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، في التفاصيل الفنية والهندسية للمقابر المكتشفة، موضحاً التنوع المعماري للموقع؛ حيث تضم الاكتشافات الجديدة 11 مقبرة منحوتة بالكامل في الصخر الطبيعي، والمعروفة علمياً بمقابر الهيبوجيوم، والتي يصل متوسط أعماقها إلى نحو ثمانية أمتار تحت سطح الأرض، بالإضافة إلى 7 مقابر سطحية مشيدة بدقة من الحجر الجيري المقاوم لعوامل الطبيعة.

وفجّر “عبد البديع” مفاجأة علمية بإعلانه أن بعض هذه المقابر عُثر عليها في حالة حفظ استثنائية ونادرة للغاية؛ إذ تبين وجود فتحات دفن لا تزال مغلقة تماماً بألواحها الحجرية الأصلية، ولم تمسها يد أو تفتح منذ العصور القديمة، مما يعد كنزاً معلوماتياً خالصاً لعلماء الأنثروبولوجيا لدراسة المومياوات والرفات البشرية دون أي تلوث بيئي حديث.

كما رصدت البعثة عدداً من الدفنات السطحية في المحيط الخارجي للمقابر، وهو ما يعكس الطبقات والتنوع الاجتماعي المتعدد لسكان المدينة القديمة، ولفت “عبد البديع” الانتباه إلى كشف مثير يتمثل في بئر مياه قديم أُعيد استغلاله وتعديله في فترات لاحقة لأغراض الدفن الجنائزي، مما يقدم دليلاً حياً على استمرارية التأثيرات العقائدية والمصرية القديمة وتمازجها الفكري في العمارة الجنائزية خلال العصرين البطلمي والروماني.

لقى نادرة

وحول الكنوز المنقولة التي تم استخراجها، أوضح د. هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري، أن الحفائر أسفرت عن تجميع باقة متميزة من اللقى الأثرية النادرة، وشملت المكتشفات أواني فخارية كاملة وبحالة جيدة، وأمفورات تجارية كانت تستخدم لحفظ الزيوت والخمور، ومسارج للإضاءة، وأطباقاً، إضافة إلى مذابح وأحواض مصنوعة من الحجر الجيري.

وأشار د. هشام حسين إلى أن من أبرز المكتشفات التي أبهرت البعثة، مذبح من الحجر الجيري لتقديم القرابين، تم تصميمه بواجهة معمارية فريدة ومميزة تحاكي تماماً فكرة الباب الوهمي الشهير في العقيدة الجنائزية المصرية القديمة، والذي كان يُعتقد أنه معبر الروح بين العالم الآخر وعالم الأحياء، هذا بالإضافة إلى العثور على تمثال رخامي رائع وغير مكتمل يُرجح أنه يجسد الإلهة أفروديت، وقبر من الحجر الجيري يصور رجلاً في جلسة وقار ويحمل طائراً بين يديه، فضلاً عن العثور على مجموعة من المدامع الزجاجية النادرة التي كانت تستخدم في الطقوس الجنائزية للتعبير عن الحزن على المتوفى.

الألسنة الذهبية

وفي ذات السياق، استعرضت د. إيمان عبد الخالق، رئيسة البعثة الأثرية ومديرة المنطقة، تفاصيل اللحظات الحاسمة للتنقيب، حيث أعلنت الكشف عن تابوت ضخم من الجرانيت الصلب يبلغ طوله 2.5 متر، ولا يزال يحتفظ بغطائه الأصلي الثقيل في موضعه الصحيح، إذ عُثر بداخله على بقايا عظمية هامة تخضع حالياً لأدق الدراسات الأنثروبولوجية المعملية لمعرفة أعمار وأمراض السكان القدامى. كما عُثر بجوار التابوت على بقايا تمثال مصنوع من الجص لأبو الهول، مما يقطع الشك باليقين حول استمرار وتغلغل التأثيرات الفنية والدينية الفرعونية داخل تفاصيل الحياة اليومية للمدينة خلال العصرين الهلنستي والروماني.

واختتمت د. إيمان عبد الخالق حديثها بالإشارة إلى الكشف الأكثر إثارة وتشويقاً في هذه الحفائر؛ وهو العثور على 24 قطعة من الرقائق الذهبية النادرة وُضعت بدقة داخل أفواه بعض الموتى، وهي التمائم العقائدية المعروفة في التاريخ القديم باسم اللسان الذهبي، حيث تأتي هذه الطقوس تعبيراً عن تمكين المتوفى من التحدث ومخاطبة الآلهة في العالم الآخر بحرية لطلب الرحمة والمغفرة حسب معتقداتهم، وقد تُوجت هذه المجموعة بقطعة ذهبية استثنائية صيغت بعناية على هيئة عين حورس، والتي مثلت عبر العصور المصرية القديمة أقوى رموز الحماية، والشفاء، والوقاية من الشرور، لتؤكد مارينا العلمين مجدداً أن أرض مصر لا تزال تخبئ في جوفها الكثير من الأسرار التي تبهر العالم يوماً بعد يوم.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21527

موضوعات ذات صلة

عبد الرحيم ريحان : أدعو لخطة قومية لاستثمار تراث مصر

شيماء عيسي

«لعبة وقلبت بجد».. دراما اجتماعية على dmc

مي صلاح

خبراء ودبلوماسيون: مصر ستظل الحصن المنيع للأمة العربية

المحرر

إحياء التراث المعماري.. تجارب منفردة تفتقد الرؤية الشاملة

المحرر

افتتاح مركز طبي جديد بديرب نجم بتكلفة 700 ألف جنيه

محمد مرسي

المتحف المصري ذاكرة حضارة تتجدد

هدير عادل