ثقافة وأدبسليدر

كيف تصبح اللغة أخطر أسلحة حرب الإبادة؟ .. خبير يجيب:

 

لا يقتصر خطر الإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في عالمنا العربي، على الأدوات المادية والمتمثلة في ترسانة عسكرية غربية من أحدث طراز قادر على الفتك بالأبرياء في غمضة عين؛ وإنما أيضا في ترسانة أخطر من الخطابات التي تغسل أدمغة العالم، وتحوّل جرائم المحتل لمجرد “إجراءات أمنية وقائية” متجنبة كشف الوجه الحقيقي لفظائعه التي لم يسلم منها حتى الأطفال في أحضان أمهاتهم.

كان الأديب جورج أورويل يقول: “اللغة السياسية صُممت لجعل الأكاذيب تبدو صادقة والقتل محترما”. وفي كتاب المفكرة الألمانية حنة أرندت حول “تفاهة الشر” بينت كيف أن الجرائم الكبرى لا يرتكبها بالضرورة أشخاص ذوو نزعات شيطانية استثنائية، بل أفراد عاديون يعملون داخل أجهزة بيروقراطية لا تفكر في مسئوليتها الأخلاقية تجاه العالم. من هنا يصبح الشر مألوفا ومبررا ومنفصلا عن التفكير في نتائجه الإنسانية، وفي حالة الحروب يتحول الضحايا لمجرد كتل من الأرقام الجوفاء التي يُنظر لها كأضرار جانبية متوقعة أو حتى تهديدات للديمقراطية الغربية أو وصمهم بالإرهاب والتخلف.

لقد وصف نعوم تشومسكي المفكر الأمريكي لاحقا الدعاية للديمقراطية حين تشبه الهراوة للدول القمعية؛ فالمجتمعات الحديثة لا تعتمد على القمع المباشر بل تنتج القبول من خلال التحكم في المعلومات واللغة، وفي حالة فلسطين يمكننا تأمل ما تبثه نشرات الأخبار والبرامج من خطاب متحيز انتقائي يحذف السياقات التاريخية ويخفي البعض الآخر، ومن ثم تصبح السيطرة على الخطاب جزءًا من السيطرة على الوعي العام..

لهذا تساءلت الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر: متى تعتبر حياة الإنسان جديرة بالحداد؟ وقد كانت من أكثر المثقفين انتقادا للسياسات الإسرائيلية ولها كتاب يحاكم الصهيونية علنا لأنها وضعت خطابا ينزع من الفلسطينيين إنسانيتهم وتختزلهم في مجرد أرقام.

د عماد عبد اللطيف

وحول هذا الأمر يقول الدكتور عماد عبد اللطيف، أستاذ تحليل الخطاب، ومؤسس حقل “بلاغة الجمهور”، أن الإبادة ليست حدثا عسكريا او قانونيا فقط، بل هي أيضا ظاهرة لغوية وسلاح من أسلحة إبادة الأبرياء التي وصلت في فلسطين لمحو أكثر من 70 ألف بريء بدم بارد، وسط خطاب يبرر العنف ويحرض على المزيد من القتل ويضفي شرعية على الجرائم بل ويعمل من جهة أخرى على ملاحقة الشهود الحقيقيين وإبادتهم.

سألناه: لماذا تقترح تأسيس حقل معرفي حول “لسانيات الإبادة”؟

فقال: الهدف هو فضح آليات التلاعب اللغوي، وصناعة ذاكرة حية للضحايا، وتفكيك الخطابات الاستعمارية. ولقد قام الغرب الاستعماري خلال القرون الخمس الماضية بأضخم إبادة عرفتها البشرية قتل فيها مئات الملايين من البشر، كما جرى مع السكان الأصليين لأمريكا الشمالية والجنوبية ثم عالمنا العربي والقارة السمراء ككل، مسلحا بأدوات القتل الأكثر فتكا وبخطابات لا تقل دموية كانت تسوّغ القتل تحت راية التحرير وتضفي شرعية على نهب واستنزاف ثروات البلاد.

وتسمية الإبادة قديمة في تراثنا العربي لكنها نابعة قانونيا من مصطلح الإبادة الذي صاغه قانونيا للمرة الأولى المحامي البولندي رفايل ليمكين عام 1944 في كلمة Genocide والمشتقة من كلمتين يونانيتين تعنيان قتل عرق أو قبيلة، وتعرفها الأمم المتحدة بأنها “فعل قُصد به تدمير جماعة دينية أو عرقية أو قومية كليا أو جزئيا”. ودراسة اللغة بالغة الأهمية في مقاومة الإبادة لأنها أداة أساسية لارتكابها وتضليل ملاحقيها وتشويه الوعي بها.

وكيف يسهم امتلاك أمريكا لمعظم وسائل التواصل في شيوع خطاب الإبادة؟

بالتأكيد هناك ما أسميه بـ”فيسبادة” وهو مصطلح نحته خصيصا ليصف تجنيد وسائل التواصل وأولها الفيسبوك في حرب الإبادة؛ فمثلا يتوسل الخطاب الداعم للإبادة بجميع العلامات اللغوية وغير اللغوية التي تخدم أغراضه الإجرامية، ضمن مسرحية مشهدية يؤديها مجرمو الحرب. من هنا تحالفت وسائل التواصل ومنها فيسبوك وإنستجرام وإكس (تويتر) لحجب المنشورات اللغوية التي ترصد الإبادة في فلسطين أو تفضح إسرائيل، إضافة لتعليق حسابات أصحابها، وتقييد دخولهم لصفحاتهم، واضطرار المستخدمون لاستخدام رموز تلتف على الخوارزميات التي تلتقط ما يناهض خطاب الصهيونية.

وكيف نتصدى لخطاب الإبادة السائد عالميا؟
دورنا الحقيقي هو نزع مساحيق التجميل التي استعملت لإخفاء وجه المذابح الاستعمارية الجماعية، فالغرب لا يهمه إبادة شعب بأكمله لإقامة ريفيرا على الشاطئ فوق أرضه، حسبما صرح إمبراطور العالم دونالد ترامب. وكما شاهدنا الكونجرس الذي صفق لمجرم الحرب نتنياهو واستقبله استقبال الفاتحين!

يجب أن نعي أن اللغة جزء من العتاد العسكري لجريمة الإبادة وعلينا بث خطابات مناهضة للإبادة بشتى الصور في وسائل الإعلام والتواصل بزخم كبير يواجه شراسة حرب الإبادة والترويج لها. ويقوم ذلك عبر لغة تستند للدلائل والوقائع الحقيقية، الصور الكاشفة لوحشة الغرب وإسرائيل واستهانتهم بحقوق الإنسان، القصص الإنسانية، وبهذا نكسر السجن الذي يفرضه الغرب على عالمنا، والصمت المفروض على شهود الإبادة بتدمير حيواتهم وقنواتهم وكاميراتهم، وأساليب القرصنة على شبكات الانترنت والمواقع وتحويلها لأدوات رقابة وحجب وتقييد للخطاب المقاوم للإبادة.

من جهة أخرى علينا تأكيد اعتزاز الاجيال الجديدة بلغتها العربية فلطالما كان القضاء على لغة الشعوب هدفا استعماريا بامتياز لأن اللغة وعاء الذاكرة والهوية، والتهاون في هذا الأمر يجعل الشباب أكثر ميلا للذوبان في منطق المستعمر من خلال بوابة اللغة المهيمنة.

أما وسائل الإعلام فعليها التزام نهج مناهضة الإبادة وعدم تبني أجندة مصطلحات وكالات الأنباء التي يمولها المستعمر، والتي تحمل نبرة محايدة لا تدين إسرائيل، وتحمل من جهة أخرى نبرة تتهم مقاومة الاحتلال الصهيوني وكأنها عمليات إرهابية، أو تزييف الأماكن والمسميات لصالح الاحتلال.

أخيرا علينا التنبه لخطر لغة الذكاء الاصطناعي والتي تتحالف معظم أدواتها مع شركات تملك أسهمها جهات داعمة للصهيونية، ويمكننا ببساطة أن ندرك ذلك حين نطرح أسئلة على برنامج مثل ChatGPT لنكتشف أنه مبرمج للدفاع عن إسرائيل.

اقرأ أيضا: صورة مريم: سيرة الذات في مرايا الجسد

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20030

موضوعات ذات صلة

السيد البدوي : لا انتقام داخل الوفد.. والحزب سيعود قويًا

محمود كرم

سمير الفيل: أكتب وعيني على الطبقات الفقيرة

أيمن مصطفى

مكافآت مقابل النفايات.. ثورة شبابية لإنقاذ البيئة

سارة الدسوقى

أحلام في «سوا سوا»… صراع الحب والمرض والحرية

حسن عبدالعال

عائلة سعد.. رهان العيد

أيمن مصطفى

د. مجدي بدران: صداع الإنفلونزا ضريبة التعافي

أيمن مصطفى